نصفية أميركا: فوز الديموقراطيين وحدود التحول في سياسة ترامب البيئية
يفتح فوز الديموقراطيين بالسيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأميركية نافذة لتغيير السياسة البيئية، لكن حدودها ترسمها صلاحيات الرئيس دونالد ترامب. فالأغلبية الجديدة، التي تبدأ ولايتها في 3 كانون الثاني/يناير 2027، تستطيع تعطيل تشريعات وتكثيف الرقابة والتفاوض على التمويل، بينما تبقى الإدارة ممسكة بتنفيذ القوانين والسياسة الخارجية. لذلك، يرجّح أن يبدأ التحول بكبح التراجع المناخي، قبل استعادة ما أُلغي من حماية وحوافز.
حجم الرهان يظهر في تقديرات “متتبع العمل المناخي”: في ظل السياسات الحالية، يُتوقع أن تكون الانبعاثات الأميركية في عام 2035 أعلى بين 13 و18% من المستويات التي توقعها المتتبع في عهد جو بايدن في عام 2024. وهذه مقارنة بين توقعات، تستبعد انبعاثات استخدام الأراضي والغابات، وليست ارتفاعاً مقاساً بالفعل. فهي توضح مقدار الضرر المحتمل من استمرار المسار الحالي.
ما هو قابل للمواجهة
أبرز القرارات القابلة للمواجهة إلغاء وكالة حماية البيئة، في 12 شباط/فبراير 2026، “قرار الخطر” الصادر في عام 2009، الذي اعتبر غازات الدفيئة تهديداً للصحة والرفاه العام. وألغت الوكالة معه معايير انبعاثات هذه الغازات للسيارات والشاحنات. يستطيع الديموقراطيون التحقيق في الأسس القانونية والعلمية للقرار واستجواب المسؤولين. أما إعادة المعايير فتحتاج مساراً قضائياً أو تشريعاً نافذاً أو مراجعة تنظيمية من الإدارة، ولا تنجم تلقائياً عن تبدّل الأغلبية.
وفي قطاع الكهرباء، ألغت الوكالة في 14 أيلول /سبتمبر 2026 معظم متطلبات خفض الانبعاثات التي أقرتها إدارة بايدن في عام 2024 لمحطات الوقود الأحفوري، واقترحت إزالة المعايير المتبقية. كذلك، طرحت في 27 تشرين الأول تعديلات واسعة لتخفيف قواعد قطاع النفط والغاز، بما يشمل ضوابط الميثان. هنا، يجب الفصل بين الإلغاء المقرّ والتخفيف المقترح: يستطيع الكونغرس الجديد زيادة الضغط لوقف خطوات إضافية، لكنه لا يملك في جلسة استماع إعادة القواعد القديمة.
الجبهة الثانية مالية وصناعية. فقانون ترامب الضريبي، الموقّع في 4 تموز/يوليو 2025، عجّل إنهاء حوافز للطاقة النظيفة. وتوقفت أهلية السيارات المقتناة بعد 30 أيلول 2025 للحصول على ائتمانات ضريبية كانت تصل إلى 7500 دولار للجديدة و4000 للمستعملة. كما قُصّرت آجال دعم الشمس والرياح، فالمشروعات التي بدأ بناؤها بعد 4 تموز 2026 تفقد الائتمانات المعنية إذا دخلت الخدمة بعد نهاية 2027.

يمكن الأغلبية الجديدة السعي إلى تمديد بعض الحوافز ضمن تسوية ضريبية أوسع، وربطها بحماية المصانع والوظائف وخفض فواتير الكهرباء. لكن إحياء حزمة بايدن كاملة يظل احتمالاً ضعيفاً ما دام ترامب قادراً على نقض التشريع. وتجاوز النقض يحتاج تأييد ثلثَي المصوّتين في كل مجلس، فيما يتطلب إنهاء التعطيل الإجرائي لمعظم التشريعات العادية في مجلس الشيوخ 60 صوتاً. الفوز بالأغلبية لا يساوي امتلاك هذه الأرقام. لذلك، تبدو الموازنات والرقابة أدوات أكثر واقعية. يستطيع الديموقراطيون رفض تخفيضات إضافية لتمويل حماية البيئة والبحوث المناخية، والتفاوض لإدراج قيود على استخدام الأموال في تفكيك برامج قائمة. كما يمكنهم فحص تعطيل منح سبق إقرارها، واستدعاء المسؤولين لشرح قراراتهم. وتتيح السيطرة على مجلس الشيوخ رفض مرشحين جدد لمناصب بيئية وقضائية تستلزم موافقته. لكن شروط الإنفاق نفسها تحتاج قانوناً يوقّعه الرئيس أو يُتجاوز نقضه.
اتفاق باريس وخلافه
دولياً، العودة أصعب. فقد أصبح الانسحاب الأميركي من “اتفاق باريس” المناخي نافذاً في 27 كانون الثاني 2026. وأبلغت واشنطن الأمم المتحدة انسحابها من الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ، على أن يسري في 27 شباط 2027. يمنح الموعد الأخير الكونغرس الجديد مهلة قصيرة للضغط على الإدارة كي تعيد النظر، لكنه لا يجعل التصويت الديموقراطي بديلاً من الإجراءات التنفيذية والدبلوماسية اللازمة.
ويمتد الخلاف إلى تمويل المناخ في الدول النامية. ففي 8 كانون الثاني 2026 أعلنت الخزانة الأميركية الانسحاب الفوري من “الصندوق الأخضر للمناخ”. تستطيع الأغلبية الجديدة جعل استعادة المشاركة والتمويل بنداً تفاوضياً في الموازنة، لكن التنفيذ يتطلب تسوية مع الإدارة. وبالنسبة إلى الدول العربية المعرضة للجفاف والحرارة وشح المياه، ستكون القيمة العملية لأي تحول أميركي مرتبطة بتمويل التكيّف ونقل التكنولوجيا، لا بتبدّل الخطاب وحده. وهذا يربط الملف المناخي بنفوذ واشنطن وعلاقاتها مع شركائها.
جيوستراتيجياً، قد يحدّ التحول من تآكل صدقية واشنطن لدى الشركاء، لكنه لن يمحو عدم اليقين الذي يواجه المستثمرين والحلفاء. وقد حذّر مسؤول المناخ الأممي سايمون ستيل من أن الانسحاب يضر الاقتصاد والوظائف والأمن الأميركي. ومن هذا المنظور، يستطيع الديموقراطيون تقديم الطاقة النظيفة باعتبارها قضية تنافس صناعي وأمن إمدادات، وبناء تفاهمات محدودة حول الشبكات والتصنيع، بدلاً من انتظار اتفاق شامل على المناخ.
الأرجح، إذاً، أن تنتقل السياسة البيئية الأميركية في العامين المقبلين إلى مساومات متواصلة: حماية ما تبقّى من التمويل، ومساءلة الإدارة، ومحاولة انتزاع تعديلات محدودة. أما استعادة الالتزامات الدولية ومعايير الانبعاثات والحوافز الملغاة فتتوقف على تعاون جمهوري أو قرارات قضائية أو تغيّر موقف البيت الأبيض. أهمية الفوز أنه يرفع كلفة التراجع البيئي، ويمنح الاستثمار النظيف فرصة للبقاء حتى الاستحقاق الرئاسي التالي في عام 2028.
