رغم حاجته لتنويع مصادره.. لماذا بيئة العراق ما زالت طاردة للاستثمار؟
رغم مساعي العراق لتعزيز حضوره على خريطة الاستثمار الخارجي، مستنداً إلى ما يمتلكه من فرص واسعة في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبنى التحتية وغيرها، فإن التحديات الأمنية والمالية والبيروقراطية ما زالت تعيق ذلك.
أجرى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، منذ توليه المنصب، جولات إلى أمريكا وفرنسا وألمانيا وتركيا، عرض خلالها أمام شركات تلك الدول فرصاً استثمارية في قطاعات متعددة، بالتوازي مع توقيع مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا وطرح مشاريع استراتيجية للشراكة.
يأتي هذا في وقت أكد فيه المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن البيئة الاستثمارية في العراق ما تزال تعاني من قوانين غير مفعَّلة وراكدة داخل هيكل الاقتصاد، مبيناً أنها تشكل عاملاً طارداً للاستثمار وتحدُّ من فرص جذب الشركات الأجنبية.
اظهار أخبار متعلقة
وقال صالح: إنه سبق لمنظمات دولية أن قدمت تصوراتها في فترات سابقة لمعالجة هذه الإشكاليات على وفق مفاصل تشريعية واضحة، لافتاً إلى أن تفعيل أو تعديل قانون واحد فقط داخل مجلس النواب يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً في واقع الأداء الاقتصادي.
عقدان على إقرار قانون لم يحمِ الاستثمار
عام 2006، أقر العراق أول قانون للاستثمار بالرقم (13)، ويتمثل في تأسيس الهيئة الوطنية للاستثمار، وتتفرع منها هيئات في جميع المحافظات العراقية، وتُعنى بجلب الاستثمارات المحلية والدولية من أجل تحسين واقع البلاد الخدمي والبنى التحتية وخلق فرص عمل للعراقيين.
ورغم مرور 18 عاماً على إقرار القانون، فإنه لا يكاد يُرى أي مشروع استثماري أجنبي في البلاد، حيث عمدت أغلب الوزارات العراقية إلى افتتاح أقسام تُعنى بالاستثمار من أجل عدم منح هيئات الاستثمار فرصة للاستحواذ على عمليات جلب المستثمرين، مما يؤدي إلى سحب البساط من وزاراتهم، وفق ما أكده مدير هيئة استثمار نينوى الأسبق موفق يونس.
وخلال الدورة النيابية السابقة، قال عضو اللجنة القانونية النيابية رشيد العزاوي إن قانون الاستثمار اعترضته العديد من العراقيل، أولها تضاربه مع قوانين استثمار أخرى في وزارات الدولة، رغم أن له الأولوية وفق تشريعه، فضلاً عن أنه لا يحمي أموال المستثمر “العراقي والأجنبي” ويطالب بكشف الذمة المالية للمستثمر.
أما الخبير القانوني أمير الدعمي فيرى أن سبب ما وُصف بـ”موت الاستثمار” هو ضعف الدولة وعدم فرض هيبتها، إذ إن الأحزاب والميليشيات تستولي على الأراضي من دون حسيب أو رقيب، ومن دون أن تُتاح الفرصة للمستثمرين.
ويضيف الدعمي أن المشكلة لا تتعلق بقانون الاستثمار وتعارضه مع قوانين أخرى قدر تعلقها بقدرة الدولة على السيطرة، إذ إن أي مستثمر أجنبي لا يستطيع الحصول على أي رخصة استثمارية من دون دفع إتاوات ورشاوى للأحزاب والوزارات.
الفساد يعرقل الاستثمار
وبشأن مناخ الاستثمار في العراق لعام 2026، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من استمرار الفساد المرتبط بالعقود الحكومية والنفوذ السياسي والجماعات المسلحة في العراق، مشيرة إلى وجود تقارير وصفتها بالموثوقة عن رُشى وعمولات في إحالة العقود.
وأوضح “تقرير” لمكتب الشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال في الخارجية الأمريكية، تورط شركات مرتبطة بقادة سياسيين وفصائل مسلحة موالية لإيران في العديد من المناقصات، فيما يتعرض مستثمرون أجانب لضغوط تدفعهم إلى الاستعانة بشركاء محليين ذوي نفوذ لتجاوز العقبات البيروقراطية.
وكشف التقرير أن الفساد ما زال يمثل عائقاً رئيسياً أمام ممارسة الأعمال، ويمتد إلى المشتريات الحكومية وإصدار التراخيص والإجراءات الجمركية وتسوية النزاعات التجارية، رغم محاولات السلطات العراقية الحد منه، خصوصاً في قطاعات النفط والغاز والكهرباء.
كما أشار التقرير إلى استمرار حالات الرشوة والابتزاز في المنافذ الحدودية، فضلاً عن وجود تقارير عن فساد في قوائم رواتب الدولة، تشمل موظفين وهميين ومحسوبية في التعيينات، مؤكداً أن الشركات الأجنبية تواجه هذه الممارسات على مستويات إدارية متعددة.
ولفت إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة أعلنت رغبتها في جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع الاقتصاد، لكنها لم تنجز الإصلاحات القانونية والإدارية الكفيلة بإزالة العقبات أمام المستثمرين، في ظل استمرار اعتماد الإيرادات النفطية في تمويل أكثر من 90 بالمئة من الموازنة.
وذكر أن رئيس الوزراء علي الزيدي وضع تنويع الإيرادات وتوسيع العلاقات التجارية مع الشركات الأمريكية والغربية ضمن أولويات حكومته، وهي أهداف سبق أن تبنتها الحكومة السابقة من دون إحراز تقدم كافٍ في تقليص الاعتماد على النفط.
وفي الجانب الأمني، أورد التقرير أن الجماعات المسلحة المدعومة من إيران شنت أكثر من 600 هجوم على منشآت حكومية أمريكية خلال الأعمال القتالية الإقليمية في عام 2026، إلى جانب استهداف مطاري بغداد وأربيل الدوليين، ما تسبب في فترات من إغلاق الأجواء العراقية.
واعتبر أن أنشطة الجماعات المسلحة واستمرار التهديدات الأمنية يمثلان عقبة أمام الاستثمار، في حين تواصل القوات العراقية عملياتها ضد بقايا تنظيم داعش في محافظات الأنبار وديالى وكركوك ونينوى وصلاح الدين.
المصارف تحت ضغط التدقيق
وبالنسبة للقطاع المالي، أكد تقرير الخارجية الأمريكية أن العراق لا يزال من أقل بلدان الشرق الأوسط انتشاراً للخدمات المصرفية، رغم امتلاكه 71 مؤسسة مصرفية مرخصة، بينها سبعة مصارف حكومية، و51 مصرفاً خاصاً تجارياً وإسلامياً، و13 فرعاً لمصارف أجنبية.
وأوضح أن ثلاثة مصارف حكومية، هي الرافدين والرشيد والمصرف العراقي للتجارة، تستحوذ على نحو 85 بالمئة من أصول القطاع المصرفي، فيما تعاني المؤسسات الحكومية من تضخم ملاكاتها وتقادم أنظمتها وضعف كفاءتها التشغيلية.
كما أشار إلى القيود التي فرضتها السلطات المالية الأمريكية، والتي حُرمت بموجبها أكثر من 30 مصرفاً عراقياً من الوصول إلى قنوات مقاصة الدولار، على خلفية ضعف إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وسلط التقرير الضوء على إعادة إدراج العراق، في 19 حزيران/يونيو 2024، ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية “فاتف”، بسبب استمرار أوجه قصور استراتيجية في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، رغم الإجراءات الإصلاحية المتخذة خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، سجل التقرير تقدماً في بعض جوانب الإصلاح المصرفي، بينها انتقال التحويلات التجارية الخارجية إلى العلاقات المباشرة مع المصارف المراسلة، وارتفاع الودائع في المصارف التجارية العراقية بنحو 40 بالمئة خلال العامين الماضيين، فضلاً عن توسع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
نحو مائتي شركة حكومية تستنزف الموازنة
على صعيد آخر، كشف التقرير أن الدولة العراقية تمتلك نحو 192 شركة ومؤسسة عامة، يعمل فيها ما بين 500 ألف و600 ألف موظف، ويعاني عدد كبير منها من انخفاض الإنتاجية أو العمل بأقل من طاقتها التشغيلية.
وأوضح أن الأجور والإعانات والخسائر التشغيلية لهذه المؤسسات تواصل فرض أعباء ثقيلة على المالية العامة، فيما تمنحها القوانين والقرارات الحكومية امتيازات في المنافسة على العقود، بما في ذلك أفضلية في المشتريات الحكومية وإعفاءات من بعض الضمانات المطلوبة من القطاع الخاص.
وأشار إلى أن شبكات المحسوبية التي تربط بعض الشركات العامة بالوزارات تمثل عقبة أمام إعادة الهيكلة، وأن الحكومات المتعاقبة أعلنت خططاً لإصلاح المؤسسات الخاسرة من دون وضع جداول زمنية واضحة لتنفيذها.
كما سجل التقرير معدل بطالة تبلغ نسبته 15.5 بالمئة، إلى جانب اتساع القطاع غير المنظم وضعف المهارات المهنية وتفضيل التوظيف الحكومي، وهي عوامل تزيد صعوبة تطوير قطاع خاص قادر على توفير فرص العمل.
ورغم هذه التحديات، أشار التقرير إلى استمرار فرص الاستثمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والزراعة والصناعة، مع بلوغ قيمة السلع التي استوردها العراق من الولايات المتحدة خلال عام 2025 نحو 1.7 مليار دولار.
هل ستفضي قروض صندوق النقد إلى الإصلاح؟
أعاد الحديث عن طلب العراق برنامجاً للإقراض من صندوق النقد الدولي تسليط الضوء على الضغوط المالية التي تواجهها البلاد، في ظل ارتفاع الدين الداخلي وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، وما قد يرافق أي اتفاق تمويلي من التزامات تتعلق بالسياسات الاقتصادية والإنفاق الحكومي.
بهذا الشأن، حذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي من تداعيات لجوء الحكومة العراقية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، مشيراً إلى أن هذه الخطوة قد تكون مثيرة للقلق، لكنها قد تتحول إلى فرصة لإجبار الحكومة على تنفيذ إصلاحات مالية طال انتظارها.
وفي تدوينة له على حسابه بمنصة فيسبوك، قال الهاشمي إن صندوق النقد الدولي يُعد من أكثر المؤسسات الدولية صرامة في منح القروض، إذ يربط تقديم الأموال بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية محددة، غالباً ما يتعين على الدول المقترضة الالتزام بها مقابل الحصول على الدفعات اللاحقة من القرض.
وأوضح أن الصندوق يعتمد آلية تقوم على تقسيم القروض إلى دفعات، بحيث يرتبط صرف كل دفعة جديدة بتنفيذ مرحلة من الإصلاحات المتفق عليها، مبيناً أن أبرز هذه الإصلاحات تتركز على ضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين تحصيل الضرائب والإيرادات، وتقليص التمويل النقدي للعجز، وإصلاح المؤسسات العامة الخاسرة، وتعزيز استقلالية البنك المركزي.
وأضاف أن المؤسسات الحكومية في العراق تعاني من ارتفاع الإنفاق وضعف الانضباط المالي، فضلاً عن الهدر والفساد وتراجع الإيرادات غير النفطية واتساع العجز المالي، وهي مشكلات لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من معالجتها، نتيجة جملة من الأسباب، في مقدمتها العراقيل السياسية المرتبطة بمنظومة الحكم.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار الهاشمي إلى أن لجوء الحكومة إلى قروض صندوق النقد بسبب حاجتها إلى الأموال قد يفتح الباب أمام تدخل الصندوق من خلال فرض شروط إصلاحية مقابل صرف الدفعات، ما قد يدفع الحكومة إلى تنفيذ إجراءات مالية كانت تواجه صعوبات سياسية في تطبيقها سابقاً.
وبين أن الحكومة قد تجد في الحاجة إلى القروض مبرراً للمضي بالإصلاحات المطلوبة، حتى في مواجهة الجهات التي عرقلت تلك الإجراءات في السابق، باعتبار أن تنفيذ شروط الصندوق سيصبح ضرورياً للحصول على التمويل.
وختم الهاشمي بالقول إن قروض صندوق النقد الدولي قد تتحول إلى خطوة نافعة للعراق، ليس فقط من خلال توفير الأموال للحكومة، وإنما أيضاً عبر المساهمة في فرض الإصلاحات المالية الضرورية، شريطة أن تؤدي هذه الشروط إلى معالجة الاختلالات المالية والحد من الهدر والفساد، بدلاً من الاكتفاء بالحصول على القروض وتراكم الالتزامات المالية.
