العلوم والتكنولوجيا

مصر والسودان… ما يجب أن نتفق عليه

0 0
Read Time:4 Minute, 18 Second

العلاقة بين مصر والسودان تحتاج اليوم إلى قدر من الحكمة يوازي حجم ما يربط البلدين، وإلى إدراك أن الضرر الذي قد يلحق بها يتجاوز أي خلاف عابر أو مصلحة اقتصادية محدودة.

وما أُثير بشأن المنقّبين السودانيين عن الذهب، المعروفين باسم “الدهّابة”، والوقائع في المنطقة الحدودية، يضع أمام القاهرة والخرطوم مسؤولية مشتركة هي كشف الحقيقة، وحماية الأرواح والسيادة، والتوصل إلى تفاهمات تمنع انتقال الأزمة إلى العلاقة بين الشعبين.

سقوط ضحايا سودانيين، الذي أكدته السلطات السودانية، يستوجب التعامل بجدية واحترام مع ألم الأسر وحقها في المعرفة. وفي الوقت نفسه، فإن التفاصيل المتنازع عليها بشأن الموقع والمسؤوليات تحتاج إلى تحقيق موثوق. وكلما تقدمت الدولتان في تثبيت الوقائع، تقلصت المساحة التي يمكن أن تشغلها المبالغات والاتهامات غير المثبتة، وأصبح ممكناً الانتقال من تبادل الروايات إلى معالجة الأسباب.

وقد ظهرت بالفعل أرضية يمكن البناء عليها. أعلن مجلس السيادة السوداني تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وأكد تواصل القيادتين لحماية الأرواح والحفاظ على العلاقة. وأعلنت مصر أن حملتها ضد التنقيب غير المشروع تجري داخل حدودها، مع تأكيد عمق الروابط بين الشعبين. كما شدد وزيرا الخارجية، خلال اتصالهما في الثاني عشر من هذا الشهر (تشرين الأول/أكتوبر)، على احترام سيادة كل دولة وسلامة أراضيها وحدودها، واستمرار التنسيق والتشاور.

في تقديري هذه المواقف تحمل عناصر اتفاق أهم مما توحي به أجواء الاحتقان. فالبلدان يستطيعان الاتفاق على حرمة الأرواح، واحترام الحدود، وتطبيق القانون، ورفض التهريب والتنقيب غير المنظم، وحماية المواطنين من الاستغلال. والمطلوب تحويل تلك المبادئ إلى إجراءات واضحة، يستطيع الناس رؤية أثرها، وتجد فيها الجهات المسؤولة قواعد للعمل حين تظهر مشكلة جديدة.

من حق مصر أن تصون حدودها، وأن تنظم الدخول إلى أراضيها واستغلال مواردها. وهذا حق ينبغي تأكيده بوضوح، خصوصاً في ظل الاضطراب الذي صنعته الحرب السودانية. لكن المصلحة المصرية تمتد أيضاً إلى استقرار السودان، وقدرة مؤسساته على تنظيم النشاط الاقتصادي وحماية مواطنيه. فكل تقدم في هذه القدرة يساعد مصر على تأمين حدودها، ويقلل احتمالات تكرار الوقائع التي تخلق توتراً بين الجانبين.

والبداية العملية هي التعاون في كشف ملابسات الحادث، وتبادل المعلومات والأدلة، وتحديد الموقع بدقة، وتوثيق الضحايا والمفقودين. ينبغي أن يقود هذا التعاون إلى نتائج معلنة، وإلى تحديد المسؤوليات ومعالجة أي خطأ يثبت. فالثقة تحتاج إلى حقيقة يمكن الاطمئنان إليها، والتفاهم الذي يصون العلاقة يجب أن يمنح المتضررين شعوراً بأن حقوقهم محفوظة وأن أصواتهم مسموعة.

وبالتوازي يمكن الاتفاق على إجراءات إنسانية عاجلة مثل تيسير علاج المصابين، والبحث عن المفقودين، والتواصل مع الأسر، وتنظيم الخروج الآمن من المواقع الخطرة. وهذه إجراءات تستطيع مصر أن تساهم فيها بالتنسيق مع السودان، فتؤكد عملياً، إن حماية الحدود وحماية الإنسان مسؤوليتان متلازمتان، وأن ما يصيب السودانيين من ألم يجد في مصر اهتماماً وتضامناً.

وهنا تظل لطريقة تقديم الموقف المصري أهمية كبيرة. فالحديث عن حماية ثروات البلاد، مهما كانت مشروعيته، يحتاج في لحظة سقوط ضحايا إلى ترتيب حذر للرسالة، حتى لا يُفهم باعتباره وضعاً للذهب في مقابل الدم. البدء بالمؤاساة، ثم شرح الوقائع والإجراءات، ثم تأكيد السيادة والقانون، يقوي الموقف المصري ويمنحه قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور السوداني. التعاطف مع الأسر يفتح الطريق لسماع بقية الرسالة.

أما التفاهم الدائم فيحتاج إلى تنسيق بين الجهات الحدودية والأمنية والعدلية والمسؤولة عن التعدين. ويمكن أن يشمل قنوات اتصال سريعة، وتوضيح المناطق المحظورة، وإبلاغ تجمعات العمال بالقواعد والمخاطر، وترتيبات للتعامل مع المخالفات والتجمعات المدنية تراعي القانون وحماية الحياة. ويجب أن يعرف كل جانب ما الذي يتولاه داخل حدوده، وكيف يتعاون مع الآخر قبل أن تتفاقم مشكلة قابلة للاحتواء.

وفي المصالح الاقتصادية توجد دائماً مساحة للبحث عن صيغ قانونية تحفظ حقوق الدول وتراعي حاجات العاملين، حيث تسمح التشريعات واعتبارات الأمن. تنظيم النشاط والتراخيص وعقود العمل وقنوات التجارة يستحق دراسة مشتركة بين الجهات المختصة. الأهم أن تبقى هذه المصالح في حجمها الصحيح، وألا تتحول إلى العامل الذي يحدد مصير علاقة استراتيجية لها أبعاد أوسع بكثير من مورد معدني.

وتزداد ضرورة هذا التفاهم بالنظر إلى أحوال المنطقة. ففي إقليم تتشابك فيه النزاعات والتحالفات والمصالح، يصبح كل توتر بين دولتين قابلاً للتوظيف في خلافات أكبر. وقد تُستخدم مأساة محلية أو رواية غير متحققة لتغذية اصطفاف سياسي، أو إثارة غضب شعبي، أو الضغط على أحد الطرفين. لذلك ينبغي أن يمتلك البلدان أدوات معالجة خلافاتهما، وأن يحافظا على اتصال مباشر يحد من قدرة الآخرين على إعادة تفسير ما يحدث بينهما.

يمكن أن تختلف القاهرة والخرطوم في تقدير ملف إقليمي، أو في علاقاتهما مع أطراف أخرى، مع بقاء العلاقة الثنائية محكومة بمصالحهما المشتركة. ومن الضروري ألا يصبح المصري أو السوداني مطالباً باتخاذ موقف عدائي من الآخر خدمةً لمعركة تدور في مكان آخر. حماية استقلال القرار في البلدين تشمل حماية العلاقة بينهما من الاستغلال، ورفض تحويلها إلى ورقة ضغط في تناقضات المنطقة.

وللإعلام دور حاسم في ذلك. تقديم المعلومات الدقيقة، والفصل بين الوقائع والاتهامات، واستضافة أصوات تعرف طبيعة المجتمعين، يساعد على بناء الفهم. كما أن تحديث المعلومات الرسمية والإجابة عن الأسئلة المشروعة يقللان مساحة الشائعات. أما التعميم واستدعاء كل خلاف قديم، فيضيفان أضراراً قد تبقى بعد انتهاء الحادث نفسه. وأي مواطن مصري أو سوداني ينبغي أن يشعر بأن كرامته وأمنه محفوظان، بصرف النظر عما تتداوله المنصات.

مصر والسودان أمام فرصة لإثبات أن قوة العلاقة تظهر في القدرة على إدارة لحظاتها الصعبة. ما نحتاجه هو اتفاق يحمي الأرواح، ويصون السيادة، وينظم المصالح، ويمنع تكرار المأساة. وكل خطوة مشتركة في هذا الاتجاه تحمي أيضا مستقبل الشعبين من أن تحدده رواية مضللة أو خصومة إقليمية. تلك مسؤولية تستحق أن تتقدم حسابات الغضب، وأن تصبح أساس العمل بين البلدين.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *