العلوم والتكنولوجيا

بعد الرقصة الأخيرة… ميسي يفتح خزائن إمبراطوريته السرية

0 0
Read Time:8 Minute, 21 Second

لم يعد مستقبل ليونيل ميسي مرتبطاً فقط بموعد تعليق حذائه أو المباراة الأخيرة التي سيخوضها بقميص الأرجنتين، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بما سيبنيه بعد واحدة من أعظم المسيرات في تاريخ كرة القدم.

في الوقت الراهن، يستعد ميسي لخوض مباراته الأخيرة مع المنتخب الوطني، في مواجهة ودية أمام بنين على ملعب “مونومنتال” في بوينس آيرس. وتحمل هذه الليلة وزناً تاريخياً وعاطفياً استثنائياً.

وستكون المباراة الدولية الـ208 في مسيرته. أفضل لاعب في تاريخ الأرجنتين من حيث عدد المشاركات، وهدافها التاريخي، يودّع الجماهير الأرجنتينية، مسدلاً الستار على إرث امتد لسنوات طويلة، ومن الصعب أن يتكرّر.

ويراه كثيرون أعظم لاعب أنجبته الأرجنتين على الإطلاق، إلى جانب الأسطورة الراحل دييغو مارادونا. فقد قاد بلاده إلى المجد العالمي وترك بصمة لا تمحى في تاريخ المنتخب الوطني.

وأعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي في 31 آب/أغسطس، بعد ستة أسابيع فقط من خسارة الأرجنتين أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم. وأكد آنذاك أنه لم يعد يشعر بأنّ لديه ما يقدمه للمنتخب الوطني.

لكن ليونيل سكالوني أبقى الباب مفتوحاً أمامه. فقد أبلغ مدرب الأرجنتين قائده بأنه يستطيع التراجع عن قراره إذا أراد، وأنّ تغيير رأيه في هذه المرحلة ليس أمراً يدعو إلى الخجل.

لكن كل المؤشرات تشير الآن في الاتجاه نفسه. هذا الفصل من مسيرة ميسي الدولية يقترب فعلاً من نهايته.

 

ليونيل ميسي في تمارين منتخب الأرجنتين. (أ ف ب)

ليونيل ميسي في تمارين منتخب الأرجنتين. (أ ف ب)

 

ميسي يختار مستقبله… كرة القدم في قلب المشهد

على مستوى الأندية، لا توجد أي مؤشرات على نهاية وشيكة لمسيرته. ويمتد عقد ميسي مع إنتر ميامي حتى نهاية موسم 2028، مع مراجعته سنوياً، ولا يتوقع المقرّبون منه رحيله قبل حلول الموعد المحدد لذلك.

وتبدو فرص تمديد العلاقة قوية جداً إذا شعر ميسي بأنه لا يزال قادراً على مواصلة اللعب، بدنياً وذهنياً. وعندما تسأل المقرّبين منه عما ينوي فعله بعد ذلك، يكتفون بالابتسام. فميسي لم يكن يوماً لاعباً يضع خططاً بعيدة المدى، إذ اعتاد دائماً التركيز على المباراة المقبلة والتحديات التي تحملها.

ومع ذلك، بدأت ملامح المرحلة المقبلة بالظهور. سيبقى ميسي مرتبطاً بكرة القدم، لأنّ الابتعاد الكامل عن اللعبة التي رافقته طوال حياته يبدو أمراً بالغ الصعوبة. وفي الوقت نفسه، يوسع اهتماماته باتجاه الأعمال والاستثمار، وقد بدأ بالفعل في بناء إمبراطورية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

لطالما جذبته فكرة العمل مديراً رياضياً أو مستشاراً لرئيس نادٍ. فهو يريد أن يبقى قريباً من مراكز صنع القرار، من دون أن يعيش الضغوط اليومية للسفر المستمر والمكالمات والاجتماعات التي تفرضها بعض المناصب التنفيذية.

وعندما سُئل أخيراً عن الخيار الذي يفضله بين أن يصبح مدرباً أو مالكاً لنادٍ، اختار ميسي بوضوح أن يكون مالكاً. ويبدو السبب منطقياً بالنسبة إليه. فالمدرب يعيش تحت ضغط النتائج أسبوعاً بعد آخر، ويتعامل مع عدد لا يحصى من التفاصيل، ويجد نفسه في مواجهة مستمرّة مع الأزمات والإصابات والانتقادات.

أما المالك، فيستطيع رسم المسار العام للنادي من موقع أكثر هدوءاً، وبعيداً نسبياً من ضغوط المباريات. لكن ميسي لا يريد أن يكون مالكاً يكتفي بتعيين المدرب ثم ينسحب من المشهد. بل يريد المشاركة في التفاصيل، واتخاذ القرارات، ومتابعة كل ما يتعلق بالمشروع.

إلدينسي وكورنيّا… البداية الحقيقية لإمبراطورية ميسي الكروية

في إسبانيا، وضع ميسي بالفعل اللبنات الأولى لمشروعه الكروي. وأصبح نادي أونيوني إسبورتيفا كورنيّا، الواقع في ضواحي برشلونة والمنافس في الدرجة الخامسة، أحد أوائل أحجار الأساس في هذا المشروع، بعدما استحوذ عليه ميسي في نيسان/أبريل ليكون حاضنة للمواهب الشابة.

وجاءت الخطوة الأكبر مع نادي سي دي إلدينسي، المنافس في دوري الدرجة الثانية الإسباني. ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أُعلن انتقال ملكية النادي إلى ميسي، بانتظار الموافقة النهائية من المجلس الأعلى للرياضة في إسبانيا.

ويبدو أنّ إلدينسي سيكون في قلب خطط ميسي، رغم أنّ المهمة الأولى هذا الموسم تبدو متواضعة وواضحة: تفادي الهبوط. ولهذا السبب، تولى المدرب السابق لفياريال خافي كاييخا المسؤولية الفنية، بالتزامن مع وصول المالك الجديد.

وتقوم الخطة الحالية على إدارة الناديين من خلال أشخاص يثق بهم ميسي، يتولون دور حلقة الوصل بينه وبين الفريقين إلى حين تفرّغه بشكل أكبر للمشروع. وهو لا يكتفي بمتابعة النتائج من بعيد، بل يحرص على متابعة مباريات إلدينسي باستمرار عبر حاسوبه الشخصي.

وجاءت رسالته الأولى بصفته المالك الجديد بعد الفوز على ريال أوفييدو 4-1، حين نشر عبر حسابه على “إنستغرام”: “Aupa Deportivo” وهي عبارة تشجيعية تعني “هيا ديبورتيفو”.

وكان لاسم ميسي تأثير فوري. فقد تقدمت نحو 12 شركة بطلبات لرعاية النادي خلال أيام قليلة، من بينها علامات تجارية كانت تتفاوض مع المالكين السابقين من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وأخرى تربطها علاقات تجارية سابقة بالنجم الأرجنتيني.

وفي أوروغواي، أطلق ميسي مشروعاً آخر إلى جانب صديقه المقرّب لويس سواريز. وأسّس الثنائي نادي ديبورتيفو إل إس إم في أيار/مايو 2025، وتمكن الفريق من الصعود إلى الدرجة الثالثة في البلاد خلال موسمه الأول.

وفي البداية، طُرحت خطط لإنشاء شبكة أوسع من الأندية، لكن التكاليف المرتفعة المترتبة على إبقاء هذه الفرق في مختلف الدرجات سرعان ما أضعفت الحماس تجاه الفكرة.

وبات مشروع شبكة الأندية الواسعة خارج الحسابات حالياً، مع تركيز ميسي الأساسي على قدرة إلدينسي على ترسيخ حضوره في كرة القدم الإسبانية.

وهناك ارتباط آخر ينتظره في ميامي. إذ ينص عقده مع إنتر ميامي على حصوله على حصة في ملكية النادي بعد اعتزاله. أما تأسيس نادٍ جديد يحمل اسمه في الولايات المتحدة، فلا يدخل ضمن خططه الحالية.

حلم لم يتحوّل إلى خطة… وشغف آخر

تبقى عودة ميسي إلى جذوره في الأرجنتين فكرة جذابة بالنسبة إلى الجماهير، خصوصاً في ظل ارتباطه العاطفي بنادي نيويلز أولد بويز، الذي لعب له خلال طفولته في مدينة روساريو. لكن الحقيقة أنّ أحداً لم يناقش هذه الفكرة رسمياً على الإطلاق.

وربما تراوده هذه الفكرة خلال جلسة مع لويس سواريز أثناء احتساء المتّة، تماماً كما قد تمر في ذهنه أفكار العودة إلى برشلونة أو خوض تجربة قصيرة مع نابولي، النادي المرتبط إلى الأبد بأسطورة الأرجنتين دييغو مارادونا.

لكن المقرّبين من ميسي لا يتوقعون تحقق أي من هذه السيناريوهات. وتدور خططه الحالية بشكل أساسي حول أوروبا وميامي، بينما ينتظره منزل العائلة المثالي في كاستيلديفيلس، بالقرب من البحر ومدينة برشلونة. وبالنسبة إليه ولعائلته، يمثل المكان نقطة الاستقرار المثالية.

وتشكّل ملكية الأندية جزءاً مهماً من مشروعه، لكن كرة القدم الخاصة بالناشئين تحتل مكانة مميزة في اهتمامات ميسي. ويبقى نيويلز أولد بويز حاضراً بقوة هنا أيضاً، باعتباره واحداً من 16 أكاديمية تشارك في “كأس ميسي” هذا العام.

ولا يقتصر اهتمامه على منح البطولة اسمه، بل يحرص على متابعة مباريات نجله وكل ما يحيط بها، كما يخصص جزءاً من وقته وماله لدعم مسابقات الفئات العمرية، وفقاً لـ”بي بي سي سبورت”.

انطلقت البطولة بمشاركة ثمانية فرق، قبل أن يفاجئ ميسي المنظمين العام الماضي. فبعدما كان متوقعاً أن يحضر مباراة أو اثنتين، وربما النهائي، حضر وتابع كل مباريات البطولة على مدار البطولة.

وفي النسخة الحالية، تضاعف عدد الفرق المشاركة ليصل إلى 16 فريقاً، على أن تنطلق المنافسات في 25 تشرين الأول/أكتوبر داخل منشآت إنتر ميامي في ولاية فلوريدا.

وتضم قائمة المشاركين أندية وأكاديميات بارزة، بينها أتلتيكو مدريد وتشيلسي وبرشلونة وإنتر ميلانو وأرسنال وأونيوني إسبورتيفا كورنيّا، إلى جانب عدد من الفرق الأخرى.

 

ليونيل ميسي في تمارين منتخب الأرجنتين. (أ ف ب)

ليونيل ميسي في تمارين منتخب الأرجنتين. (أ ف ب)

 

من أرض الملعب إلى مليارات الأعمال

خارج الملعب، بنى ميسي محفظة استثمارية ضخمة تفسر جزئياً تقدير مجلة “فوربس” لثروته بنحو 1.1 مليار دولار في حزيران/يونيو. وبلغ دخله السنوي نحو 140 مليون دولار خلال العام السابق، موزعاً بين كرة القدم والمشاريع التجارية.

وتبقى شراكته طويلة الأمد مع شركة “أديداس”، التي وُقعت عام 2017، واحدة من أشهر صفقاته التجارية. كما يمتلك ميسي مشروع “MiM Hotels”، الذي يضم سلسلة من ستة فنادق بوتيك تمتد من إيبيزا إلى أندورا. وتتولى مجموعة “ميليا” إدارتها بموجب اتفاقية إيجار سارية منذ الأول من تشرين الثاني/نوفمبر.

ويجمع اسم “MiM” بين اسم ميسي واسم مجموعة “Majestic Hotels”، فيما تتولى “Meliá Collection” تشغيل الفنادق. وفي مسقط رأسه روساريو، تستثمر شركته العائلية في مشروع “Carrasco M” العقاري، الذي يضم 24 منزلاً مطلاً على نهر بارانا. وتتولى شركة العقارات المملوكة للنجم الأرجنتيني أنخيل دي ماريا عملية بيع الوحدات.

كذلك، تحضر المطاعم في استثمارات ميسي، إذ يمتلك حصة في سلسلة “El Club de la Milanesa”، التي تخطط لافتتاح خمسة فروع في كاتالونيا، سيكون أولها في كاستيلديفيلس.

وكانت العقارات والفنادق والمطاعم مجرّد البداية. فقد دخل ميسي أيضاً عالم المتّة، المشروب التقليدي الشهير في أميركا الجنوبية، من خلال إطلاق مجموعة خاصة بالتعاون مع شركة “ستانلي”، المتخصصة في أدوات وأكسسوارات المشروبات.

وتُعد هذه أول شراكة طويلة الأمد توقعها “ستانلي” مع رياضي، وقد ساهم ميسي بنفسه في اختيار المواد والألوان المستخدمة في المجموعة.

رجل الأعمال: بداية تحوّلت إلى إمبراطورية

بدأ دخول ميسي إلى عالم الأعمال إلى جانب والده خورخي، الذي تولى إدارة شؤون ابنه منذ بدايات مسيرته. وتوفي خورخي في آب/أغسطس عن عمر 68 عاماً، بعدما أمضى سنوات كأحد أبرز الأشخاص في الدائرة المقرّبة من نجله.

وتسبب بعض تلك النصائح المبكرة في مشاكل للعائلة مع السلطات الضريبية الإسبانية. لكن العمليات التجارية لميسي توسعت لاحقاً وتحوّلت إلى شبكة أكثر تنظيماً واستقراراً.

وأصبحت هناك شركات متخصصة في الإنتاج التلفزيوني والتسويق والإعلام والشراكات التجارية، جميعها تحت مظلة واحدة. وكانت هذه الأنشطة قد ترسخت بالفعل قبل الأزمة الصحية الخطيرة التي ألمّت بوالده.

واليوم، يثق ميسي بمجموعة من الأشخاص لإدارة أعماله، بعضهم يرافقه منذ سنواته الأولى مع برشلونة. وتخضع كل فرصة استثمارية لدراسة وتدقيق دقيقين، ولا يصل إليه سوى ما يشعر بالارتياح تجاهه. وهو من يتخذ القرار النهائي بشأن علاقته بعالم الأعمال، ولا يسمح لأحد بفرض مسار معين عليه.

وعلى الرغم من ضخامة محفظته واتساع نطاق مشاريعه، فإنّ ميسي لا يرى نفسه رجل أعمال متكاملاً. وخلال حديثه في “منتدى أميركا للأعمال” في ميامي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال: “عالم الأعمال يهمني. أود مواصلة التعلم لأنني لا أعرف شيئاً وما زلت في بداية الطريق”.

وتلخص هذه الجملة رؤيته للمرحلة المقبلة أكثر من أي خطة معلنة. فأكثر من عقدين في قمة كرة القدم لم يجعلا ميسي مستعداً للابتعاد عن اللعبة بشكل كامل، لكنه بدأ في الوقت نفسه بناء عالم جديد من حولها.

الأندية، المواهب الشابة، العقارات، الفنادق، المطاعم والشراكات التجارية الكبرى… إمبراطورية تحمل اسمه تتشكل تدريجياً. ومع ذلك، يبقى اللاعب بداخله لاعباً قبل أي شيء آخر.

محفظته الاستثمارية مثيرة للإعجاب، ومشاريعه تتوسع باستمرار، ومكانته كمالك للأندية تترسخ يوماً بعد آخر. لكن ميسي لا يزال يبحث عن المزيد داخل الملعب.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة في المرحلة المقبلة: أسطورة تقترب من إسدال الستار على مسيرتها الدولية، ورجل أعمال بدأ بالفعل في رسم ملامح إمبراطوريته، ومالك نادٍ يريد أن يكون قريباً من التفاصيل، ولاعب لا يزال يبحث عن سبب جديد لمواصلة الرحلة.

حقبة ميسي مع الأرجنتين تقترب من نهايتها. أما قصته الخاصة، فلم تقترب بعد من نهايتها.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *