العلوم والتكنولوجيا

استقرار الدولة المصرية وأمن الإقليم

0 0
Read Time:2 Minute, 8 Second

لو كانت المؤتمرات قادرة على إسقاط الدول، لكانت مصر قد سقطت عشرات المرات خلال السنوات العشر الماضية. لكن مصر، في صباح اليوم التالي لكل مؤتمر، كانت تكتشف أنها لا تزال موجودة!

استقرار مصر ليس شأناً مصرياً داخلياً فحسب، بل أحد مرتكزات الاستقرار في إقليم شديد الاضطراب؛ فموقعها الجغرافي، وثقلها السياسي والديموغرافي، وارتباطها المباشر بملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، فضلاً عن أهمية قناة السويس للتجارة الدولية، تجعل استقرار الدولة المصرية عنصراً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي.

ومن هنا تكتسب تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسي أخيراً من استمرار محاولات إسقاط الدولة المصرية وتغيّر مساراتها وأدواتها، أهمية تتجاوز اللحظة السياسية التي صدرت فيها، فالقضية لا تتعلق بالصراع حول السلطة وحسب، بل بالسؤال الأوسع المتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسك مؤسساتها واستقلال قرارها في بيئة إقليمية تتداخل فيها الأزمات والتدخلات والمصالح.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين النظام السياسي والدولة، فتغيير الحكومات والسياسات والقيادات، والمعارضة والمطالبة بالإصلاح، كلها أمور تنتمي إلى المجال السياسي الطبيعي، وهذا ما أشار اليه الرئيس السيسي نفسه، أما تقويض مؤسسات الدولة أو إضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، فله تداعيات مختلفة. الدولة ليست حكومة أو رئيساً، بل مؤسسات وسيادة وحدود ومقدّرات وحقوق ومصالح لملايين المواطنين.

وتقدم تجارب المنطقة خلال العقد ونصف العقد الأخير درساً مهماً في هذا السياق، إذ أثبتت حالات عدة أن انهيار نظام سياسي لا يعني بالضرورة قيام نظام أكثر استقراراً، بينما أدى ضعف مؤسسات الدولة في بعض الحالات إلى فراغات أمنية وسياسية أصبحت مجالاً لتنافس قوى محلية وإقليمية ودولية، ولذلك لا ينبغي أن ينحصر السؤال الاستراتيجي في: من يحكم؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث للدولة ومؤسساتها إذا دخلت البلاد في حالة اضطراب واسع؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في الحالة المصرية بسبب موقع البلاد في قلب دوائر أمنية متعددة: شرق المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا، والمشرق العربي. فمصر تتعامل بصورة مباشرة مع تداعيات أزمات غزة والسودان وليبيا، وتمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية في حركة التجارة العالمية. ولهذا فإن اضطراب مصر لا يمكن أن يبقى شأناً داخلياً خالصاً، فأيّ أزمة واسعة قد تنعكس على أمن الحدود في الشرق والغرب والجنوب، وعلى قدرة القاهرة على التعامل مع أزمات جوارها، وعلى أدوارها في الوساطة والاحتواء، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة والتجارة الدولية.

وقد أظهرت تطورات البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مدى الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي؛ فالتوتر في باب المندب انعكس على مسارات الملاحة وقرارات شركات الشحن بشأن استخدام قناة السويس، وقد أكد الرئيس السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال لقائهما في القاهرة في 15 أيلول/سبتمبر 2026، أهمية أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *