العلوم والتكنولوجيا

“Qamīs”… معرض يستعيد ذاكرة النسيج من قلب آخر مصنع في لبنان

0 0
Read Time:4 Minute, 36 Second

صوت الآلات يملأ المكان، والخيوط تتحرك في مسارات دقيقة، فيما تتولى أيادٍ خبيرة متابعة تفاصيلها التي لا تُتقن في أيام قليلة. في مصنع كاتبه في الحدت بـ لبنان، تبدو صناعة النسيج اللبنانية كأنها تواصل حياتها على خيط رفيع؛ آلات لا تزال تعمل، وحرفيون راكموا سنوات طوال من الخبرة، ومهنة تتراجع اليد العاملة فيها مع تقدّم العاملين فيها في السن.

من هذا المكان، تبدأ حكاية معرض “Qamīs: Fragments of Dress”، الذي تستعد منصة “Fragmenta”، التي أسستها نور نجم وغيلين إلياس، لتقديمه في تشرين الثاني/نوفمبر. وفي قلب المعرض، يقف القميص، لا كقطعة ملابس يومية فحسب، بل كمدخل إلى تاريخ النسيج والمواد والحِرف والهوية اللبنانية.

اختيار مصنع كاتبه لم يكن عابراً. فالمصنع، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من مئة عام وانتقل إلى موقعه الحالي عام 1997، يُعدّ آخر مصنع نسيج لا يزال يعمل في لبنان. وهنا، حيث لا تزال الآلات تنسج الأقمشة والمناشف، تلتقي الصناعة التي تقاوم الاندثار مع مشروع يحاول إعادة اكتشاف ما تركته خلفها.

 

طوني وإيلي كاتبه، صاحبا المصنع (تصوير: مؤي كراجِم).

طوني وإيلي كاتبه، صاحبا المصنع (تصوير: مؤي كراجِم).

 

خيط يقود إلى حكاية أكبر

بين الآلات، تعمل منى الضيقة على آلة مخصّصة لنسج المناشف بالطول، وهي الوحيدة التي تتقن تشغيلها بعدما تعلّمت استخدامها على يد خبير من فرنسا. تقول لـ”النهار”: “عملت عليها لمدة 13 عاماً”.

خلف هذه الجملة القصيرة تختبئ إحدى أبرز تحديات هذه الصناعة: المعرفة التي لا تنتقل بسهولة. فالعاملون في مجال النسيج أصبح معظمهم من كبار السن، فيما تتراجع اليد العاملة الجديدة التي يمكن أن تتعلّم هذه المهنة وتواصلها، لتصبح الخبرة المتراكمة جزءاً من تراث يحتاج إلى الحفظ بقدر ما تحتاج الآلات نفسها إلى الاستمرار.

لكن “Qamīs” لا يأتي لتوثيق هذه الصناعة فقط، بل لإعادة طرح الأسئلة حولها.

لماذا القميص؟

قد يكون القميص أكثر قطع الملابس اعتيادية؛ نرتديه يومياً، ونادراً ما نتوقف عند الرحلة التي سبقت وصوله إلينا. لكن هذه القطعة هي تحديداً ما اختارته “Fragmenta” نقطة انطلاق لمعرضها المقبل.

تشرح نور نجم، المؤسسة المشاركة في تأسيس “Fragmenta”، أن اختيار مصنع كاتبه يرتبط بمكانته كواحد من آخر الشواهد على صناعة النسيج في لبنان، وتقول: “اخترنا هذه المنشأة لأنها آخر مصنع نسيج لا يزال موجوداً في لبنان”.

 

اليد العاملة في مصنع كاتبه للنسيج في لبنان (تصوير: مؤي كراجِم).

اليد العاملة في مصنع كاتبه للنسيج في لبنان (تصوير: مؤي كراجِم).

 

ومن خلال القميص، يحاول المعرض العودة إلى تاريخ أوسع: تاريخ المواد الأولية التي عُرفت في لبنان، من القطن والصوف إلى الحرير، وتاريخ الأيدي التي عملت عليها، والطرق التي تحولت بها هذه المواد إلى أقمشة وملابس.

وتقول نجم: “من خلال القميص نريد العودة إلى تاريخ النسيج والمواد الأولية التي كانت تُزرع أو تُستخدم في لبنان، مثل القطن والصوف والحرير، إلى جانب الكثير من العناصر التي نسيناها مع مرور الوقت”.

من مادة قديمة إلى قراءة جديدة

في تشرين الثاني، لن يقدّم “Qamīs” النسيج بوصفه جزءاً من الماضي فقط، بل سيضعه أمام نحو 50 مصمماً وفناناً لإعادة التفكير فيه من زوايا مختلفة.

المشاركون سيعيدون العمل على القميص والنسيج كلّ من منظوره الخاص، في محاولة لتحويل المادة والذاكرة إلى قطع معاصرة. وهنا تتحول عملية البحث إلى تجربة إبداعية: ماذا يحدث عندما نأخذ مادة تحمل تاريخاً طويلاً ونضعها بين أيدي جيل جديد من المصممين؟

هذه المقاربة تنسجم مع فلسفة “Fragmenta” نفسها، التي تنطلق من فكرة “الأجزاء” أو “الشظايا”، ومحاولة إعادة وصل ما تفرّق من الذاكرة الثقافية.

وتقول نجم: “هناك الكثير من أجزاء هويتنا التي لا نعرفها اليوم، ولذلك نحاول، من خلال القطع والمواضيع التي نختارها كل عام للمعارض، أن نستكشف عوالم لا نعرفها، لنفهم من جديد من نحن وما هي قوتنا كلبنانيين”.

 

من اللقاء الذي أُقيم في مصنع كاتبه للنسيج، تمهيداً لمعرض

من اللقاء الذي أُقيم في مصنع كاتبه للنسيج، تمهيداً لمعرض

 

ما الذي لا نراه في القماش؟

بالنسبة إلى غيلين إلياس، المؤسسة المشاركة في “Fragmenta”، لا يبدأ البحث من القطعة النهائية، بل من كل ما سبقها.

وتختصر الفكرة بمجموعة من الأسئلة: “من أين جاءت؟ من عمل عليها؟ كيف صُنعت؟ لماذا صُنعت بهذه الطريقة؟ وما التاريخ الذي يقف خلفها؟”.

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تفتح باباً على عالم كامل غالباً ما يختفي خلف القماش الذي نرتديه. فقبل القميص هناك خيط، وقبل الخيط مادة أولية، وقبل القماش آلة وتقنية ويد عاملة ومعرفة تراكمت مدى سنوات.

ومن هنا تأتي أهمية زيارة مصنع كاتبه بالنسبة إلى المشروع؛ فالمعرض لا يبحث عن النسيج في الكتب والأرشيف فقط، بل يذهب إلى المكان الذي لا تزال فيه المادة تُصنع، وإلى الأشخاص الذين ما زالوا يعرفون كيف تعمل الآلات وكيف تتحول الخيوط إلى قماش؟

حكاية صناعة لا تزال تُنسج

يرى طوني كاتبه، مالك المصنع ومديره ومن الجيل الرابع في العائلة، أن استمرار هذه الصناعة مرتبط بقدرتها على تلبية حاجة مختلفة في السوق. يقول: “نحن آخر مصنع لا يزال ينتج الأقمشة والمناشف وغيرها من المنتجات النسيجية”.

المصنع الذي كان يعمل سابقاً على مدار 24 ساعة بثلاث ورديات، يعمل اليوم وفق وردية واحدة تمتد نحو 12 ساعة، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد. ومع ذلك، يبقى قادراً على إنتاج كميات أصغر وبمواصفات محددة وتسليم سريع.

 

View this post on Instagram

A post shared by النهار – لبنان (@annahar_lebanon)

 

أما إيلي كاتبه، والد طوني، فيصف المهنة بأنها “متعبة إلى حدّ ما، لكنها جميلة”، فيما يستمر المصنع كجزء من إرث عائلي يأمل أصحابه أن ينتقل إلى الجيل المقبل.

وهنا يلتقي مسار المصنع مع فكرة “Qamīs”: كلاهما يبحث عن طريقة للاستمرار. المصنع يحاول الحفاظ على صناعة تتقلص، والمعرض يحاول الحفاظ على الذاكرة المرتبطة بها، لا عبر تجميدها في الماضي، بل عبر إعادة تقديمها من خلال التصميم والفن.

في تشرين الثاني/نوفمبر، يبدأ “Qamīs” من القميص، لكنه لا يتوقف عنده. إنه يعود إلى الخيط، والمادة، والآلة، واليد، ثم إلى القصة التي تقف خلف كل ذلك. وربما في هذه الرحلة تحديداً، يصبح القميص أكثر من قطعة ملابس؛ يصبح طريقة لقراءة جزء من لبنان لم يعد يُرى كثيراً، ومحاولة لإعادة وصل خيوط الماضي بما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *