على غرار لبنان.. مودعون غاضبون يطرقون أبواب مصرف عراقي بحثا عن أموالهم
رسخ إعلان البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي لمدة 18 شهراً، إثر رصد مخالفات جسيمة أثرت على مركزه المالي، أزمةَ الثقة التي يعاني منها القطاع المصرفي في البلاد، بعدما وجد مودعون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى حساباتهم.
وتتصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارة الملف المالي في العراق، فيما يؤكد خبراء اقتصاديون أن المشكلات التي يعاني منها القطاع المصرفي العراقي باتت تنعكس سلباً تجاه خروج الأموال من الدورة المصرفية وضعف الائتمان والاستثمار.
مودعون يتظاهرون للمطالبة بأموالهم
رغم طمأنة البنك المركزي العراقيين بأن أموالهم محمية قانوناً، إلا أن إغلاق مصرف الطيف أشعل فتيل التظاهرات في بغداد وعدد من المحافظات، وطالب المحتجون بإنهاء القيود المفروضة على الخدمات المصرفية، والسماح لهم بالوصول إلى أموالهم وسحب ودائعهم.
وأكد البنك المركزي العراقي أن فرض لجان إشراف أو وصاية على أي مصرف مجاز لا يعني إفلاسه، بل يمثل إجراءً رقابياً احترازياً يستهدف ضمان سلامة المصرف واستقرار عملياته وحماية حقوق المودعين.
البنك المركزي يُطَمئن المودعين في المصارف.. للإطلاع على الخبر اضغط على الرابط التالي https://t.co/KzcQmdStOZ pic.twitter.com/9SKTJjhTZA— البنك المركزي العراقي (@cbiraq) September 5, 2026
وقال البنك إن أموال المودعين محمية بموجب القوانين والأنظمة والتعليمات، وأنه يتابع إجراءات المصارف لضمان قدرة العملاء على الوصول إلى أموالهم دون تأخير، مؤكداً تمتعه بمستويات سيولة كافية تمكنه من إدارة عملياته بكفاءة ومواجهة الضغوط المحتملة.
صانعة محتوى تشكتي بسبب عدم قدرتها على سحب اموالها من مصرف الطيف الإسلامي . طبعا هذا الموضوع صارله أكثر من شهر واعرف أحد اصدقائي أيضا كان عندا تحويلة من خارج العراق ماتمكن يسحبها من المصرف ، ورا مراجعة كم مره شاف ماكو أمل قام بالغاء التحويل للطيف وحولها للعراق بغير طريقة . المصرف… pic.twitter.com/qvQrR0bQNb— Mustafa (@Sufi495) September 7, 2026
المتظاهرون أمام أبواب مصرف الطيف الإسلامي، عبروا عن مخاوفهم من عدم إمكانية سحب أموالهم مستقبلاً، داعين البنك المركزي العراقي إلى التعهد بتحديد موعد لغرض الحصول على ودائعهم أو تقديم وثيقة رسمية تضمن الحقوق.
لا سيولة لرد الودائع
ووفقاً لوسائل إعلام محلية، اعتذر الوصي الجديد الذي أوكلت له إدارة مصرف الطيف وتسوية الأمور، بأنه لا يمتلك سيولة كافية حالياً لرد أموال الزبائن فوراً، وسط أزمة مالية خانقة تمر بها البلاد، ومخاوف من تأثر العراقيين بموجة العقوبات الأقسى التي تطال إيران في حرب هرمز.
وفي وقت يجري فيه الحديث عن إصابة بعض المودعين بـ”أزمات قلبية” ونقلهم إلى المستشفى، يقول خبراء إن عدداً من المصارف تعرضت لهذه الحالة سابقاً وتم إنقاذها، وأمام مصرف الطيف 18 شهراً لتصحيح الأوضاع إن سارت الأمور بشكل جيد.
من مصرف نشط إلى مفلس
جاءت أزمة مصرف الطيف الإسلامي مفاجئة بالنسبة للأوساط المصرفية والمالية، بعدما تدهورت أوضاعه المالية بصورة متسارعة خلال فترة لم تتجاوز شهراً واحداً، وبدأت أولى مؤشرات الأزمة مع شكاوى زبائن من صعوبة سحب أموالهم.
اظهار أخبار متعلقة
واللافت أن المصرف نفسه كان حتى وقت قريب من بين أكثر المصارف نشاطاً في السوق العراقية، حيث يمتلك شبكة واسعة من الفروع وحجماً كبيراً من التحويلات، كما استحوذ لسنوات على الحصة الرئيسية من عمليات التحويل الرسمية داخل العراق.
ماذا حدث.. وأين الخلل؟
حاولت بعض المصارف العراقية المتعثرة إلقاء اللوم على البنك المركزي، مُحمِّلةً إياه مسؤولية ما يتعرضون له من صدمات مالية بسبب عدم تقديمه لهم المشورة القانونية ومتابعة حساباتهم اليومية عبر ما يتمتع به من خبراء اقتصاديين ذوي خبرة عالية.
من جهة أخرى، أكد خبراء أن العراق بعد عام 2003، غَزَتْهُ موجة من تأسيس مصارف وبنوك بعضها “عائلي” وأخرى مرتبطة بجهات حزبية ضمن الحكومة، مستغلة الانفتاح والتسهيلات التي تعرضها الحكومة فضلاً عن استغلال منصة بيع العملة التي شابها الكثير من شبهات الفساد.
وبالنسبة لـ”الطيف الإسلامي”، تنقل وسائل إعلام عراقية عن مصادر قولها، إن أحد أسباب تدهور الوضع المالي للمصرف، هو التوسع الكبير في أعماله واستثماراته، دون وجود دراسة كافية للمخاطر وحجم السيولة المطلوبة.
وأضاف المصدر أن “الأزمة المالية وانحسار نشاط الأعمال والتجارة بفعل الحرب زادا الضغوط على مصرف الطيف، بالتزامن مع توظيف جزء من سيولته في شراء السندات الحكومية خلال السنوات الماضية، ولا سيما منذ عام 2023، ما قلص حجم الأموال النقدية المتاحة لديه.
الوصاية.. تضم 10 مصارف
لا يعد مصرف الطيف التجربة الأولى للوصاية، إذ سبق واستخدم البنك المركزي هذا الإجراء لإنقاذ مصارف واجهت اختلالات مالية، وتشير بيانات المركزي إلى أن الوصاية فُرضت على 9 مصارف حتى عام 2019، قبل أن تُرفع عن 4 منها بعد معالجة أوضاعها.
كيف تعود أموال المودعين؟
يقول مسؤول في الشركة العراقية لضمان الودائع، إن “تدخل الشركة لتعويض المودعين يتطلب أولاً أن يكون المصرف مشمولاً ببرنامج ضمان الودائع، وأن يصل إلى مرحلة الإفلاس والتصفية وفق الإجراءات القانونية، وعندها تبدأ الشركة بتحديد الودائع المشمولة واحتساب مبالغ التعويض.
إذ تُغطى الودائع التي تصل إلى 25 مليون دينار بنسبة 100 بالمئة، فيما تنخفض نسب التغطية تدريجياً للمبالغ الأكبر وفق الشرائح والسقوف المحددة”.
أما المبالغ غير المشمولة بضمان الودائع، فتُسترد من أموال المصرف وحصيلة بيع موجوداته وأصوله وتحصيل ديونه خلال التصفية، وفي حال عدم كفاية هذه الأموال لسداد جميع المودعين، قد يبقى جزء من أموالهم دون استرداد.
ما علاقة الطيف بصعود الدولار؟
ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي إزاء الدينار العراقي في الأسواق الموازية خلال اليومين ليصل في بورصة بغداد إلى 155600 دينار مقابل 100 دولار.
وعزا المدير العام الأسبق في البنك المركزي العراقي، محمود داغر، سبب هذا الصعود إلى أنه جاء استجابةً للأزمة التي سببها مصرف الطيف الإسلامي، وما نتج عنها من حالة عدم استقرار وعدم ثقة.
أموال العراقيين في المنازل
قال مدير المصرف العراقي للتجارة (TBI)، علي عبد الرضا العلوان، إن أكثر من 85 بالمئة من الكتلة النقدية في العراق ما تزال خارج النظام المصرفي، مشيراً إلى أن ضعف ثقة المواطنين بالمصارف يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع.
وأكد العلوان أن تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق خلال العقود الماضية أضعف ثقة المواطنين بالنظام المصرفي، ودفع إلى الاحتفاظ بجزء كبير من الأموال خارج المصارف، بما في ذلك داخل المنازل.
وأوضح أن بقاء هذه النسبة الكبيرة من السيولة خارج النظام المصرفي يمثل “مشكلة كبيرة جداً”، لأن المصارف تحتاج إلى عودة الأموال إليها لكي تتمكن من أداء دورها في العملية الاقتصادية.
وأضاف أن الأموال الموجودة خارج المصارف تؤثر في دورة السيولة، مبيناً أن النشاط الاقتصادي يقوم على سلسلة مترابطة تبدأ بضخ الأموال عبر المؤسسات المالية، وصولاً إلى دفع الرواتب والإنفاق، وأي خلل في إحدى حلقاتها قد يؤدي إلى تعثر الدورة الاقتصادية.
عدد المصارف في العراق
قال مرصد “إيكو عراق” المتخصص بشؤون الاقتصاد والمال في بغداد، إن عدد المصارف العاملة في العراق يُعد من بين الأعلى في دول المنطقة، إلا أن خدماتها لا تزال دون مستوى الطموح.
وفي بيان له ذكر المرصد، أن “القطاع المصرفي في العراق يُعد حالياً من أكثر القطاعات نشاطاً في دول المنطقة، وعدد المصارف ومكاتب التمثيل العاملة في البلاد يبلغ 81 مؤسسة مصرفية، وهذه المؤسسات تتوزع بين 8 مصارف حكومية، و24 مصرفاً تجارياً محلياً، و31 مصرفاً إسلامياً محلياً، إضافة إلى 16 مصرفاً أجنبياً ومكتبَي تمثيل لمصارف أجنبية”.
ما معنى الوصاية؟
تُعدُّ الوصاية على المصارف إحدى أهم الأدوات الرقابية التي منحها المشرع العراقي للبنك المركزي للتدخل عند تعرض المصرف لمخاطر مالية أو إدارية تهدد سلامته أو مصالح المودعين واستقرار الجهاز المصرفي.
اظهار أخبار متعلقة
ووفقاً لـ”ضياء أحمد الساعدي”، المستشار في مركز التحكيم الدولي للتسوية، نظّم المشرع هذه الآلية في قانون المصارف لسنة 2004، بما يجعل قرار فرض الوصاية إجراءً قانونياً رقابياً لا يعني بالضرورة إفلاس المصرف أو تصفيته.
وقد أكد البنك المركزي العراقي أن فرض الوصاية أو لجان الإشراف يُعدُّ من الإجراءات الاحترازية التي تستهدف سلامة المصرف وحماية حقوق المودعين، في حين أكدت المادة “61” من القانون نفسه أن الوصي لا يخضع للمساءلة عن أداء واجباته إلا أمام البنك المركزي العراقي.
ويترتب على فرض الوصاية كذلك انتقال السيطرة الفعلية على موجودات المصرف ودفاتره وسجلاته إلى الوصي الذي يتولى إدارة أعماله بما يحول دون تبديد أمواله أو الإضرار بحقوق دائنيه ومودعيه.
