أميركا تشجّع “الخليج” وأوكرانيا على تأسيس شركة صنع مسيّرات وتطويرها
غيّرت الطائرات المسيّرة ساحات القتال والتخطيط الدفاعي في مختلف أنحاء العالم. فباتت الأنظمة “الرخيصة” والبالغة الطموح قادرة على إلحاق الضرر بالمواقع العسكرية والبنية التحتية للطاقة والأهداف المدنية، في وقت تُرهق فيه أنظمة الدفاع الجوي الباهظة الكلفة، الأمر الذي جعل تقنيات مواجهة الطائرات المسيّرة عنصراً محورياً في الدفاع الجوي الحديث.
لقد تحوّلت أوكرانيا ساحةً للاختبار في مجالي الطائرات المسيّرة ومواجهتها منذ الغزو الروسي لها عام 2022. ودفعت حرب إيران دول الخليج “الفارسي” والعربي عند العرب الى مواجهة تهديد عاجل من الطائرات المسيّرة والصواريخ سواء من طهران أو من وكلائها الإقليميين. نتج عن ذلك تعاون دفاعي متنامٍ بين كييف وشركاء خليجيين من بينهم السعودية وقطر والإمارات. على واشنطن تعميق هذا التعاون من خلال التدريب المشترك، وتبادل المعلومات، وجمع القيادة والسيطرة في مجال الدفاع الجوي، ووضع قواعد مسؤولة لنقل التكنولوجيا. من شأن ذلك تعزيز الدفاع الإقليمي الخليجي، ودعم شبكة الابتكار الأوكرانية المتنامية، وترسيخ الشراكات الأمنية الأميركية الحيوية في المنطقتين.
كيف بدأت قصة أوكرانيا مع المسيّرات؟
في أوكرانيا، يجيب باحثان أميركيان جدّيان، استخدمت روسيا مراراً طائرات “شاهد” الإيرانية التصميم وأنظمة أخرى للهجوم الأحادي الإتجاه لاستهداف المدن. دفعت هذه الهجمات الى ابتكار سريع في مجالات الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والاعتراض. وحلول أوكرانيا ليست مجربة فقط في ساحة المعركة، بل قابلة أيضاً للتوسّع وزهيدة الكلفة نسبياً.
تمتلك دول الخليج أنظمةً دفاعيةً باهظة الثمن ومندمجة مع البنية الأمنية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة. غير أن حرب إيران اختبرت الاعتماد الكبير لهذه البنية على أنظمة وذخائر دفاعية مكلفة يحتاج إنتاجها الى فترات طويلة وإعادة التزويد بها. تعمل دول الخليج على تنويع شراكاتها الأمنية بسبب الضغط الواقع على القاعدة الصناعية الأميركية وارتفاع تكاليف الأنظمة الدفاعية الأميركية، وتقلبات السياسة الخارجية الأميركية المستمرة والقيود التي تفرضها واشنطن على مراقبة الاستخدام النهائي. من المتوقّع ارتفاع الإنفاق الدفاعي الخليجي بنسبة 20 في المئة على الأقل خلال السنوات الثلاث المقبلة. نتيجة ذلك باتت هذه الدول مهتمة بالحلول المجربة ميدانياً والقابلة للتوسّع والمعقولة الكلفة التي يمكن أن تقدّمها أوكرانيا.
وهي تسعى أيضاً الى تنمية إنتاجها المحلي. وتزداد قدرة الصناعة الدفاعية الأوكرانية وقوتها، خصوصاً بعدما كيّفت إطارها التنظيمي لتحفيز المبيعات العسكرية الخارجية، والسماح بدخول المزيد من الجهات الخاصة الى القطاع. حتى الآن وقّعت أوكرانيا اتفاقات مسيّرات مدتها عشر سنوات مع السعودية والإمارات وقطر. وهي جاءت بعد إيفاد كييف أفراداً دفاعيين واستخباراتيين الى الإمارات وقطر والأردن لتقديم المشورة في شأن تكتيكات مواجهة الطائرات المسيّرة. ورغم عدم الكشف عن التفاصيل تشمل الاتفاقات مستشارين أوكرانيين وتدريباً ومعدّات وإنتاجاً مشتركاً، بما في ذلك نقل تقنيات حسّاسة. وقد كشف الرئيس الأوكراني زيلينسكي أن أوكرانيا تعمل على تعاون مماثل مع الكويت والبحرين وعُمان. يمكن لنشر نظام “ميروبس” الأوكراني وطلبيات الآلاف من طائرات الاعتراض أن توسّع كثيراً الصناعة الدفاعية للبلاد.
هل من قيود على توسيع النموذج الأوكراني؟
من العوامل المعقّدة أن الأوكرانيين ينفّذون عمليات مواجهة الطائرات المسيّرة بطرق قد لا ترغب دول الخليج أو لا تقدر على تكرارها بسرعة، إذ طوّرت أوكرانيا أساليب أكثر كثافة من حيث القوة البشرية مقارنةً بأنظمة الصواريخ التقليدية القائمة على مبدأ “أطلق وانسَ” التي تعتمدها دول الخليج والعديد من الدول الغربية. وبينما تستخدم أوكرانيا طائرات اعتراض صاروخية فعّالة للغاية تعتمد عملياتها في مواجهة الطائرات المسيّرة إلى حدّ بعيد على “مطاردة” التهديد الجوي عبر وضع طائرة إعتراض في مساره المحتمل، ثمّ توجيهها يدوياً لتحقيق الأغراض. يتطلب هذا عدداً أكبر من المشغّلين المدربين وطيّاري الطائرات المسيّرة مقارنة بالنموذج الحالي. يستغرق تشكيل فرق قادرة على تنفيذ هذه العمليات على نطاق واسع وقتاً. وقد تخفّف الحلول الذاتية التشغيل المتزايدة الفاعلية الحاجة إلى القوى البشرية. لكن من غير المرجّح أن تكون هذه الأنظمة متاحة قريباً بما يكفي لتلبية إحتياجات دول الخليج. يمكن لكييف أيضاً أن تقدّم ميزة رئيسية للمشترين الخليجيين: إذ تملك فائضاً إنتاجياً متاحاً للعملاء الذين في حاجة ماسّة إلى تقنية دفاعية مجرّبة في القتال. وفي ظل قيادة زيلينسكي أقر البرلمان الأوكراني إصلاحات أطلقت جيلاً جديداً من الشركات الناشئة في القطاع الدفاعي الحكومي للتكنولوجيا الدفاعية.
هل من توصيات للسياسة الأميركية؟
على واشنطن أن تتعامل مع التعاون الدفاعي بين الخليج وأوكرانيا باعتباره فرصةً لبلورة بنية أمنية إقليمية أكثر مرونة وتكاملاً، أي أن تقوم بدور الميسّر والمنسّق في آن واحد. يساعد ذلك على ترجمة دروس ساحة المعركة قدرات دائمة مع ضمان قابلية التشغيل البيني والسيطرة والتوافق الاستراتيجي. بذلك تُعزّز الدفاعات الجوية الخليجية وتدعم الدفاع الابتكاري الأوكراني وتقليص حضور الأنظمة الروسية القديمة. على واشنطن تيسير إنشاء مجموعة عمل معيّنة لمواجهة الطائرات المسيّرة، ودعم مركز تميّز خليجي للابتكار في مجال مواجهة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي، ومراجعة قواعد الرقابة على الصادرات ومبيعات الأسلحة العسكرية الأجنبية الأميركية لدعم نقل التكنولوجيا على نحو مسؤول. عليها أيضاً دعم اتفاق شامل بين مجلس التعاون الخليجي وأوكرانيا يساعد على تعزيز تبادل المعلومات ودمج القيادة والسيطرة. ويعكس التعاون الدفاعي المتنامي بين الخليج وأوكرانيا تحوّلاً أوسع في الأمن العالمي.
