من نكتة محلية إلى الدائرة الأوسع.. تطور الكوميديا السعودية على نتفليكس
منذ أن فتح فيلم “بركة يقابل بركة” (2016) الباب للسينما السعودية المستقلة، تجاوزت الكوميديا المحلية مجرد الإضحاك لتصبح مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية. على شاشة نتفليكس، نشهد قفزة نوعية من النكتة العابرة إلى السرد الدرامي المتقن، حيث تتشابك صراعات الأجيال وتمرد المرأة مع هوس المظاهر، وصولاً إلى فيلم “المهايطية” المقرر طرحه في 1 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.
“الهياط” والكوميديا السوداء: تفكيك طبقة الأثرياء
لم تعد السينما السعودية تخشى تشريح التباهي وصناعة الوهم. تجلى ذلك في فيلم “الخلاط+” (2023) الذي غاص في مفاهيم الخداع المجتمعي، وفي الكوميديا السوداء لفيلم “الهامور ح.ع” (2023) الذي استعرض الجشع المالي. هذا الخط يبلغ ذروته في “المهايطية” (2026)، الذي يضع عائلة “الذهبي” تحت المجهر. عائلة ظل اسمها لعقود عنواناً للثراء والوجاهة في الرياض، حيث للفت الأنظار أصوله، والتواضع مجرد وجهة نظر، والهياط أسلوب حياة، مما يوفر مادة دسمة لنقد التناقضات الاجتماعية بأسلوب ساخر ومتقن.
أدوار نسائية تعيد صياغة المشهد الكوميدي
انتهى عصر المرأة كـ “رد فعل” للأبطال الذكور، لتتصدر المشهد بأدوار محركة للأحداث. في مسلسل “جايبة العيد” (2023)، قادت البطلة صراعاً ثقافياً كوميدياً لفرض خطيبها على عائلتها. وفي فيلم “ناقة” (2023)، تصدرت البطلة رحلة سريالية لكسر القيود. هذه الاستقلالية تتأكد في “المهايطية” (2026)، حيث تمثل “العنود” (غادة الملا) سيدة المجتمع المهووسة بالوجاهة والتي ترى أن دفتر شيكاتها كفيل بإنهاء أي نقاش. وإلى جانبها تبرز “ريم” (آيدا القصي) كالعقل المدبر الذي يخطط وينفذ وما على البقية إلا المسايرة، ما يرسخ حضور المرأة كصانعة للحدث.
.jpg)
من كاميرا الهاتف إلى الإنتاجات الضخمة: نضوج الصناعة
الرحلة من المحتوى العفوي إلى إنتاجات نتفليكس تعكس نضوجاً تقنياً وسردياً. فيلم “شمس المعارف” (2020) وظف نوستالجيا بدايات الإنترنت لخلق كوميديا شبابية أصيلة. وتطور الأمر لإنتاجات ضخمة تلبي ذائقة شباك التذاكر، كما في فيلم “راس براس” (2023) الذي قدم أكشن كوميدياً بأسلوب ديستوبي ساخر. على التوازي، شكل مسلسل “محافظة مسامير” (2021) ذروة النضوج بتحويل الرسوم المتحركة إلى نقد لاذع للاستهلاك المفرط بلهجة محلية لا تقبل المساومة.
صراع الأجيال تحت سقف واحد: كوميديا العائلة
تبقى ديناميكية العائلة السعودية المعين الأهم للكوميديا الواقعية. في مسلسل “بيت طاهر” (2023)، نبع الإضحاك من محاولة أجيال متنافرة إنقاذ مشروعهم التجاري. هذا الصدام العفوي يتكرر بأسلوب أكثر فخامة في “المهايطية” (2026)؛ حيث يصطدم “سلطان الذهبي” (راشد الشمراني)، كبير العائلة الذي اعتاد سماع كلمة “أبشر” قبل إكمال جملته وكلمة “لا” لم توجه إليه يوماً، مع أبنائه، وتحديداً “بندر” (زياد العمري) الذي يعتبر نفسه نجماً عالمياً والموضوع محسوم بالنسبة إليه. فجوة الأجيال هنا تصنع أصدق الضحكات وسط قرارات تثير أكثر من علامة استفهام.
.jpg)
هوس المظاهر: عندما تصبح الموضة “قضية مصيرية”
في أعمال سابقة، كانت الأزياء تعكس البيئة المحلية، لكنها اليوم تتحول إلى أداة درامية أساسية لصناعة المفارقة. هذا التجلي يظهر بوضوح في “المهايطية” (2026) من خلال شخصية “لولو” (أضواء بدر)، آخر العنقود، التي تعتبر الموضة قضية مصيرية، والانتظار ليس وارداً في قاموسها. الكوميديا هنا تنبع من الإطلالات التي تعكس البذخ في أدق تفاصيلها، والإصرار الذي لا يتزعزع على أن تبدو الأمور تحت السيطرة ليظل الهياط من “عيار 24″، ما يحول هوس المظاهر إلى مادة دسمة للسخرية المجتمعية.
هل غيّرت نتفليكس النكتة السعودية؟
الجواب القاطع: لا. نتفليكس لم تجعل الكوميديا السعودية أقل محلية، بل ربما فعلت العكس، لقد جعلت التفاصيل المحلية جداً (البيروقراطية، القبيلة، الترقيع، هوس المظاهر) قابلة للقراءة عالمياً. الشخصيات في هذه الأعمال تشترك في سمة واحدة: “الشخص العادي الذي يحاول أن يفاوض واقعاً أكبر منه”.
وهذا بالضبط ما يجعل الكوميديا السعودية الحديثة تقفز فوق حاجز اللغة والجغرافيا، لتثبت أن أصدق أنواع الضحك العالمي هو ذلك الذي يولد من قلب الشارع المحلي.
