العلوم والتكنولوجيا

بلا عنوان، بلا كاظم!

0 0
Read Time:2 Minute, 42 Second

فلاح المشعل

تابعتُ الفنان والموسيقي كاظم الساهر منذ سنوات انطلاقته الأولى، وكان يحمل منذ البداية بصمة خاصة في أسلوبه اللحني وطريقته في الأداء التعبيري، لا تشبه النمطية التي سار عليها كثير من أبناء جيله. 

كانت أغنية كاظم تحمل مؤثرات عصف زمانها، وسنوات الجمر التي خلّفتها سنوات الحرب، بل الحروب والحصار، وزمن الشتات والهجرة والاغتراب لملايين العراقيين، لذلك كانت الآهات التي تتصاعد بين الجمل الغنائية تختزل حكاية ملايين العراقيين الراغبين في الصراخ على حياة معادية واستبداد متنوع، صراخٌ أطلقه الساهر بعذوبة جمالية، جعلته يتسيّد الساحة الغنائية العراقية، بلغة تجديد موسيقي، ثم يصبح أحد أبرز نجوم الفضاء العربي.

 

كاظم الساهر (من حسابه الرسمي في إنستغرام).

كاظم الساهر (من حسابه الرسمي في إنستغرام).

 

أحببنا كاظم، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً ونحن نردد أغانيه، بفيضها الرومانسي وتجلياتها العاطفية، في ألحان عذبة تمتلك طاقة تعبيرية تتشرّب روح النص، وبناء موسيقي ينهمك في إظهاره بأرقى صوره النغمية، وكان الموسيقار فتح الله أحمد، إلى جانب الشاعر الكبير كريم العراقي، يشكلان معه ثلاثية إبداعية أسهمت في صناعة مرحلة مهمة من الأغنية العراقية، التي صارت تتردد بخصوصية النجاح والتألق والحب في الأجواء العربية، وتنتشر على مسارح العالم.

الساهر إيقونة للنغم الجميل وغناء القصيدة، ذلك اللون الذي لم يغب بعد عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وغيرهما من نجوم القصائد المغنّاة. وكاظم شديد الصعوبة في انتقاء النصوص، وفي البحث عن صياغات وجمل موسيقية غير مستهلكة، يُنظم منها قصيدته الهارمونية، موضوع يتحرك بين الحب ومشكلات الإنسان، وغربته في بلاد الأحزان والفرح الممنوع، أغنيات تبحث في الموروث، وتعيد صياغة الأغنية الشعبية بمستوى جمالي راقٍ، ذلك هو الانطباع المألوف لدى من يصغي إلى موسيقى وغناء كاظم الساهر؛ صفات وممتلكات جمالية تصرّ على تميزها وروحها، من ألبوم إلى آخر.

 

كاظم الساهر (إنستغرام).

كاظم الساهر (إنستغرام).

 

بلا عنوان… بلا كاظم!

عشّاق كاظم الساهر يحملون أسئلة خاصة عند سماع كل إنتاج جديد له تتجه الأسئلة نحو الجديد في القصيدة، والشعبية، والعاطفية، والطقطوقة الراقصة، ما الإيقاعات التي وظّفها؟ وما البناء اللحني الجديد الذي اشتغل عليه؟ أين صدق العاطفة وتجلياتها في صوته، حين يرسم الصورة الأخيرة للمعنى؟

أعتقد أن هذه الأسئلة لم نجد لها إجابات واضحة كاملة في ألبومه الأخير “بلا عنوان”، حتى بدا لي، في لحظات كثيرة، أنه بلا كاظم ! باستثناء بعض الالتماعات اللحنية هنا، ولمسة جميلة هناك، وتألق عابر في بعض الجمل، يظل الأداء في مساحة محدودة من الاستعراض لقدراته المعهودة، مع تلويح بأداء مقامي قصير لا يكتمل أثره.

ولا أدري إن كانت هذه الأغنيات السبع عشرة قد طُرحت للسوق، أولًا، استجابةً لتنويعاته الاستهلاكية، أكثر مما جاءت استجابةً لحاجة الفنان إلى المغامرة والتجديد، فثمة لغة محكية هجينة لا تبدو ذات صلة وثيقة بذلك الحس الغنائي الذي عرفناه عند كاظم، وألحان لا تمنح المستمع مساحة التأمل التي اعتادها منه.
المشكلة ليست في أن يتغير الفنان، فالتجديد ضرورة، ولا في أن يقترب من اللغة المحكية أو الإيقاع الشعبي، بل المشكلة حين يصبح التغيير ابتعاداً عن جوهر التجربة، وحين يفقد الفنان ذلك الخيط السري الذي يصل صوته بالنص، واللحن بالمعنى، والذاكرة بالحاضر.

لقد أحببنا كاظم الساهر لأنه لم يكن مجرد صوت جميل، ولا مجرد ملحن يجيد صناعة الأغنية، أحببناه لأنه كان مشروعاً موسيقياً يتقدم بنا من أغنية إلى أخرى، ويترك في كل مرحلة أثراً جديداً.

أما “بلا عنوان”، فقد ترك لديّ إحساساً مختلفاً، ألبومٌ يحمل عنوانه، لكنه يفتقد في بعض أغنياته ذلك الكاظم الذي عرفناه وأحببنا، “بلا عنوان” ليس ألبوماً سيئاً، لكنه أقل من كاظم الساهر الذي نعرفه!

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *