هل بدأ الأميركيون يتساءلون عن صحة حسابات ترامب ودقتها؟
أقدمت إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ وصولها الى الحكم للمرة الثانية على مبادرات سياسية خارجية لم تُدرس جيداً ولم يتعمّق فيها المعنيون بها مثل غزة ريفييرا الشرق الأوسط، والسعي إلى فصل غرينلاند عن الدانمارك وضمها إلى الولايات المتحدة، وطرح حيادية أوكرانيا و”تنئيز” الهند. قد تكون أحد “أفظع” المبادرات اقتراحه نشر الجيش السوري التابع للنظام الجديد الذي يترأسه الشرع في لبنان لمواجهة “حزب الله” إبن إيران المدلل. ولو طُبّق هذا الأمر الأخير لكان قوّض الإستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وضرب المصالح الأميركية فيه.
ففي السادس عشر من حزيران الماضي قال ترامب أن أفضل طريقة لمقاربة “حزب الله” هي نشر الجيش السوري لنظام الرئيس أحمد الشرع في لبنان ودفعه إلى التصدي لـ”حزب الله” لا بل إلى مهاجمته والقضاء عليه.
علماً أن إسرائيل أثبتت عدم قدرتها على نزع سلاحه. لكن رغم ذلك، يتمسّك ترامب بأن سوريا تستطيع القيام “بعمل جيد” في هذا المجال. كان ذلك أول إشارة رسمية الى هذا الأمر بعد فترة طويلة من الشائعات المتعلقة به. وحتى كلام ترامب هذا كانت واشنطن ترفض الاعتراف به لا بل تنكره. علماً أن توم برّاك الموفد الرسمي الأميركي اعتبر ذلك غير صحيح وغير دقيق. طبعاً لم تكن دعوة ترامب السوريين الى التدخل مفاجئة. لكنها كانت صادمة نظراً إلى مضاعفاتها السلبية. طبعاً يعارض أصدقاء واشنطن في لبنان دعوة ترامب إلى إيكال ضرب “حزب الله” لسوريا الشرع. فبين الدولتين تاريخ ضخم يذكره يومياً اللبنانيون. إذ بعد حكم حافظ الأسد سوريا عام 1970 وحتى سقوط ابنه بشار عام 2024 لم تعترف سوريا أبداً بسيادة لبنان. فهو كان جزءاً من سوريا.
ولم يكن ذلك مقاربةً نظرية. إذ احتل الجيش السوري لبنان منذ 1991 وحتى 2005. و”أخفى” الآلاف من اللبنانيين المعارضين له. انتهى التدخل السوري هذا بعد انتفاضة شعبية عارمة في أعقاب قتل رئيس الحكومة والزعيم السني بل الوطني الأهم رفيق الحريري على أيدي نظام الأسد وحليفه “حزب الله” هذا ما يقوله ديفيد شينكر الباحث الأميركي الدائم والمسؤول عن دائرة الشرق الأوسط في الولاية الأولى لترامب.
الأميركيون ليسوا مهتمين وقلقين في آن من إنتشار سوري “جديد” في لبنان. فـ”حزب الله” الشيعي يتحدّث بقلق وربما بخوف عن احتمال ممكن الحدوث من هذا النوع خوفاً من إطلاقه حرباً سنية – شيعية في لبنان بعد الدور الذي نفذه “الحزب” ضد السنّة السوريين في أثناء حكم الأسد وطائفته بمساعدة إيرانية و”لبنانية” معروفة.
طبعاً ينقل “حزب الله” هذا الأمر لإثارة المخاوف في أوساط طائفته واللبنانيين لكنه يعرف أن الخطر عليه من سوريا الجديدة جدي ومقيم. علماً أن سوريا الشرع لا تبدو متحمسة لتنفيذ عمل من هذا النوع. فهي لا تزال في مرحلة التأسيس لنظامها ولا تستطيع التدخل عسكرياً في لبنان من دون أن يُحدث ذلك فراغات أمنية داخلها. فضلاً عن أن ذلك سيحول قطعاً ضد وفائها بوعودها الكثيرة لسوريين على تنوّعهم.

يعطي شينكر مثلاً على سياسة رسمية أميركية يؤدي تنفيذها إلى إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية. فالحرب على إيران أدت إلى إغلاق مضيق هرمز ومضاعفات التدخل السوري في لبنان قد تكون أثارها وخيمة على هذه المصالح.
الشرع يفهم الأخطار
طبعاً يبدو ترامب منزعجاً من بطء العمل لنزع سلاح “حزب الله”. لكن تدخل سوريا لإنجاز هذا الأمر لن يُحقّق الهدف منه. وبالنسبة إلى إسرائيل الحليفة الأولى لأميركا في العالم فإن “المبادرة السورية” بدت لها فقيرة وغير جدية وخطيرة في آن. لحسن الحظ يفهم الشرع الأخطار التي ترافق تدخلاً كالمطلوب منه في لبنان ضد “الحزب”. لهذا السبب أظهر الحكمة والحزم والتصميم برفضه القيام بهذه المغامرة سواء طلبها أواقترحها ترامب أو غيره. ربما تساعد حكمة الرئيس السوري أحمد الشرع هذا الجهادي السابق وضبطه لسانه في إنقاذ ترامب وإدارته من إنهيار أو هزيمة مفاجئة لا يحتاج إليها في مجالات السياسة الخارجية.
هذا الكلام الذي يقوله ويكتبه أميركي يميني عمل مع ترامب في إدارته الأولى ومطلع بحكم عمله البحثي كما بحكم علاقاته مع البعض في ادارته يشير إلى أن الرأي العام البحثي في الولايات المتحدة بدأ يعبّر عن آرائه السلبية في عدد من مبادرات ترامب في السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً بعدما بدت حساباته غير مكتملة وغير دقيقة عندما قرّر مهاجمة إيران، وربما بعدما بدت معلوماته عن شعوب إيران المختلفة قومياً والموحّدة شيعياً ناقصة، وبعدما أدى ذلك إلى تهديد الحلفاء العرب “المخلصين” للولايات المتحدة جراء عجز ترامب عن حمايتهم بعدما جمع لبلاده منهم العدد الكبير من المليارات من الدولارات.
وهم فعلياً ما كانوا ليتصرفوا بهذا الكرم الحاتمي لو عرفوا أن تعثّر حملة ترامب رغم تفوّقها العسكري على إيران سيجعلهم مكسر عصا لها ووسيلة للإنتقام من أميركا عبر ضربهم لأنهم كانوا دائماً ولا يزالون حلفاء مخلصين للولايات المتحدة.
