خمسة على القمة… الجولة الثانية تكشف وجه الدوري الإماراتي
لم تحتج النسخة الجديدة من دوري أدنوك للمحترفين إلى وقت طويل حتى تكشف ملامحها الأولى.
قدمت الجولة الثانية 22 هدفاً في 7 مباريات غابت عنها التعادلات، وأبقت خمسة فرق بالعلامة الكاملة: الوصل، شباب الأهلي، العين، الجزيرة وعجمان، مقابل خمسة أندية لم تحصد أي نقطة حتى الآن، هي الوحدة وبني ياس وحتا والظفرة وخورفكان.
هذا الانقسام المبكر لا يعني أنّ سباق اللقب حُسم، لكنه يؤكد أنّ هامش الخطأ بات ضيقاً منذ البداية، وأنّ الأندية الأكثر استقراراً فنياً وقدرة على إدارة المباريات فرضت نفسها، بينما دفعت فرق أخرى ثمن الأخطاء الدفاعية والارتباك في بناء قوائمها.
الوصل… فريق جاهز وإدارة لا تنتظر الأزمة
واصل الوصل انطلاقته الأقوى بفوزه على كلباء 3-0، ليرفع رصيده إلى ست نقاط، بعدما سجل ثمانية أهداف واستقبل هدفاً واحداً في أول مباراتين.
الفريق لم يفز فقط، بل قدّم مباراة ناضجة. ضغط مبكراً، سجّل علي صالح من ركلة جزاء في الدقيقة 18، وأضاف نيكولاس خيمينيز الهدف الثاني بعد خمس دقائق، قبل أن يحسم ريناتو جونيور المواجهة بالثالث. الأهم أنّ الهدف الثاني جاء من هجمة منظمة كشفت سرعة نقل الكرة وتنوّع مصادر الخطورة، بينما صنع البديل برايان بالاسيوس الهدف الثالث، في تأكيد جديد على جودة دكة البدلاء.
أشار روي فيتوريا إلى أنّ لاعبيه التزموا بالخطة ولم يسمحوا لكلباء باللعب بأريحية، قبل أن يطالب بإغلاق صفحة الانتصار والتركيز على مواجهة شباب الأهلي في 28 آب/أغسطس. وهذه العقلية تحديداً هي ما يحتاج إليه فريق يريد المنافسة: الفوز لا يتحوّل إلى احتفال طويل، بل إلى محطة تسبق اختباراً أصعب.
وخارج الملعب، تحرّك الوصل بالسرعة نفسها، فتعاقد مع المهاجم الإيراني مهدي طارمي بعد طلب ميغيل بورخا الرحيل، ثم ضم الحارس الكرواتي دينكو هوركاس من لاس بالماس. وصول طارمي يمنح الفريق مهاجماً صاحب خبرة أوروبية وشخصية قوية داخل المنطقة، فيما يرفع هوركاس مستوى المنافسة في حراسة المرمى. التحدي أمام فيتوريا لن يكون في إيجاد الجودة، بل في دمج الأسماء الجديدة من دون الإخلال بالتوازن الذي صنع هذه البداية القوية.
العين… بطل لا يكتفي بالفوز بل يطارد التاريخ
فوز العين على خورفكان 2-0 لم يكن صاخباً مثل ريمونتادا الجولة الأولى أمام بني ياس، لكنه كان أكثر دلالة على نضج حامل اللقب. ضغط العين في الشوط الأول، فعّل الأطراف عبر تحرّكات فالنتينو لازارو وسفيان رحيمي، واستفاد من الزيادة العددية التي وفرها كاكو وبلاسيوس وتراوري، فحسم اللقاء بهدف رحيمي وآخر سجله أحمدو كامارا بالخطأ في مرماه.
وفي الشوط الثاني، خفّض العين الإيقاع وأدار تقدمه، متأثراً أيضاً بخروج الحسين رحيمي مصاباً في أواخر الشوط الأول. ولم تُعلن مدة غياب اللاعب حتى الآن، ما يجعل حالته من الملفات التي تستحق المتابعة قبل المباريات المقبلة.
الفوز رفع سلسلة العين إلى 35 مباراة متتالية من دون هزيمة في الدوري، بينها 12 انتصاراً متتالياً، ليؤكد أنّ الفريق لا يعيش مجرد حالة فنية جيدة، بل مرحلة تاريخية تحت قيادة فلاديمير إيفيتش. قوة العين ليست فقط في الأسماء، بل في قدرته على تغيير أسلوبه بين شوط وآخر؛ يضغط عندما يحتاج إلى التسجيل، ثم يتحكم في المساحات والوقت عندما يتقدم.

شباب الأهلي… الصبر والبدلاء يحسمان مجدداً
للمباراة الثانية توالياً، احتاج شباب الأهلي إلى الشوط الثاني كي يفرض كلمته. الظفرة أغلق المساحات وأهدر ركلة جزاء قبل الاستراحة، فيما اصطدمت محاولتان لسردار أزمون بالقائم، قبل أن يسجل يوري سيزار في الدقيقة 71 ويضيف إيغور غوميز الهدف الثاني في الدقيقة 88.
شباب الأهلي لم يقدم عرضاً هجومياً ساحقاً مثل خماسية خورفكان، لكنه أثبت امتلاكه ميزة الفرق البطلة: الصبر وعدم فقدان التنظيم أمام منافس متكتل. كما ظهرت الأفضلية البدنية والعمق في الخيارات خلال النصف الأخير من المباراة، ليرفع الفريق حصيلته إلى سبعة أهداف مقابل هدف واحد في جولتين.
الجزيرة… كوزمين يستبدل المتعة بالقسوة التنافسية
الجزيرة كان صاحب الرسالة التكتيكية الأوضح في الجولة، بعدما عاد من ملعب الشارقة بانتصار ثمين 2-0 بفضل ثنائية فينيسيوس ميلو.
أولاريو كوزمين لم يدخل المباراة بحثاً عن الاستحواذ أو الاستعراض، بل أغلق العمق برباعي دفاعي منضبط ومحورين تحركا بذكاء، وسمح للشارقة بتدوير الكرة بعيداً من مناطق الخطورة، ثم ضربه بالتحوّلات وسرعة ميلو. بهذه الواقعية، أصبح الجزيرة الفريق الوحيد الذي لم يستقبل أي هدف بعد جولتين.
هذه النسخة من الجزيرة أقل اندفاعاً وأكثر قسوة في إدارة التفاصيل. كوزمين لا يفرض طريقة واحدة على كل المنافسين، بل يغير خطته وفق المباراة، وهي سمة الفرق التي تنافس على البطولات. ومع وصول البرازيلي مالكوم، صاحب الخبرة مع برشلونة وزينيت، ترتفع جودة الهجوم أكثر، ويصبح “فخر أبوظبي” مرشحاً حقيقياً للدخول بقوة في سباق اللقب.
أما الشارقة، فخسارته لا تلغي جودة قائمته، لكنها كشفت بطئاً في صناعة الفرص أمام فريق منظم. امتلاك الكرة لم يكن كافياً، خصوصاً مع عزل لابا كودجو وغياب السرعة في الأطراف. “الملك” يملك أسماء قادرة على العودة، لكن عليه إيجاد حلول أمام الكتل المتأخرة وعدم الاكتفاء بالاستحواذ غير المؤثر.
عجمان… شخصية هجومية تخفي إنذاراً دفاعياً
عجمان هو مفاجأة البداية بلا منازع. بعد إسقاط الوحدة في أبوظبي، قلب تأخره أمام حتا إلى فوز مجنون 4-3، سجّل خلاله وليد أزارو هدف الانتصار في الدقيقة 97.
لكن المدرب غوران توفيغدزيتش لم يسمح للنتيجة بإخفاء العيوب، فأعلن عدم رضاه عن البداية الضعيفة وغياب الضغط والحدة، ومنح لاعبي حتا المساحة والوقت لبناء الهجمات. عجمان سجّل سبعة أهداف في جولتين، لكنه استقبل خمسة، ما يضعه أمام معادلة واضحة: الشخصية الهجومية قادرة على صناعة المفاجآت، لكنها وحدها لا تكفي لضمان الاستمرار بين الكبار.
المدرب الصربي يملك فريقاً يرفض الاستسلام وحلولاً هجومية متنوّعة، لكن معالجة التوازن عند فقدان الكرة أصبحت أولوية عاجلة، خصوصاً أنّ المنافسين الأقوى سيعاقبونه بقسوة أكبر.
النصر يتقدم بهدوء… والوحدة يدخل دائرة الخطر
حقق النصر فوزه الأول على حساب الوحدة 1-0، بعدما أهدر عبدالله توري ركلة جزاء في نهاية الشوط الأول، قبل أن يسجل كريس بيديا ركلة ثانية في الدقيقة 54.
ميلوش ميلوييفيتش رأى أنّ فريقه كان الطرف الأفضل وسيطر على معظم فترات اللقاء، لكنه اعترف بأنّ اللاعبين تراجعوا في آخر 15 دقيقة بصورة نفسية لحماية النتيجة. كما لفت إلى الأثر المؤذي للحرارة والرطوبة على اللاعبين.
النصر حصد أربع نقاط من مواجهتين صعبتين، ويبدو أكثر تنظيماً من الموسم الماضي، إلا أنّ تراجعه المبالغ فيه بعد التقدم قد يتحوّل إلى مشكلة أمام فرق أكثر فعالية. مع ذلك، الفوز بشباك نظيفة يمنح ميلوييفيتش قاعدة جيدة للبناء.
في المقابل، خسر الوحدة أول مباراتين للمرة الأولى منذ 28 عاماً، وبقي بلا نقاط رغم التوقعات المرتفعة التي سبقت الموسم. المشكلة ليست دفاعية فقط؛ الفريق يفتقد الوضوح في الثلث الأخير، والتحوّلات الهجومية بطيئة، وردة الفعل لا تتناسب مع جودة الأسماء.
الإدارة سارعت إلى ضم المدافع الأرجنتيني لاوتارو مونتينيغرو من سان لورينزو، لكن الصفقة وحدها لن تعالج غياب الهوية. وحتى 25 آب/أغسطس لم تصدر إقالة رسمية للمدرب بريكليس شاموسكا، غير أنّ الضغط أصبح كبيراً، والجولة المقبلة قد تتحوّل إلى اختبار لمستقبله لا لمستقبل الفريق فقط.
بيرلو يدخل التاريخ… وبني ياس يكشف أزمة أعمق
سجل يونايتد أول انتصار في تاريخه بدوري المحترفين، بعدما تغلب على بني ياس 3-2. فريق أندريا بيرلو تقدم بثلاثية عبر ويلي سيميدو “هدفين” ومصطفى نام، قبل أن يستقبل هدفين متتاليين في الدقيقتين 76 و77.
الانتصار أكد أنّ خسارة يونايتد أمام الوصل 5-1 لم تعكس كل ما قدمه الفريق. بيرلو قال إنه لم يُفاجأ بالفوز، لأنه يعمل طوال الأسبوع على نقل عقلية الانتصار إلى لاعبيه، معترفاً بأنّ الهدف الأساسي يبقى ضمان البقاء. لكن الانهيار المتأخر للمرة الثانية يؤكد أنّ الفريق يحتاج إلى تحسين إدارة تقدمه وعدم فقدان التركيز عند تراجع المجهود البدني.
أما بني ياس، فقد استقبل سبعة أهداف في جولتين. المدرب دانييل إيسايلا وصف بعض الأخطاء بالساذجة، وكشف أنّ معنويات لاعبيه انهارت بعد التأخر، كما عبّر بصراحة عن غيرته من قدرة يونايتد المالية على التعاقد مع لاعبين أصحاب خبرة.
ويعاني بني ياس أيضاً غياب ديكوفيتش للإيقاف، فيما يحتاج جواو فيكتور إلى أسابيع إضافية للتعافي من الإصابة. لكن الغيابات لا تفسر وحدها سهولة استقبال الأهداف، فالفريق يحتاج إلى صلابة ذهنية بقدر حاجته إلى تدعيمات فنية.
إقالة النمر… قرار سريع أم اعتراف بخطأ التخطيط؟
لم تنتظر إدارة خورفكان أكثر من ساعتين بعد الخسارة أمام العين لتعلن إقالة عبدالمجيد النمر، ليصبح أول ضحايا الموسم بعد 180 دقيقة فقط.
خورفكان خسر أمام شباب الأهلي 1-5 ثم أمام العين 0-2، لكن الحكم على المدرب بعد مواجهتين أمام وصيف الموسم الماضي وحامل اللقب يبدو قاسياً، خصوصاً أنّ النمر سبق أن قاد الفريق إلى أفضل حصيلة له في عصر الاحتراف برصيد 33 نقطة.
سرعة القرار تعني إما أنّ الإقالة كانت مطروحة قبل المباراة، أو أنّ الإدارة بدأت الموسم من دون قناعة كاملة بمشروعها الفني. وفي الحالتين، المشكلة تتجاوز المدرب إلى التخطيط نفسه، لأنّ تغيير الجهاز بعد جولتين لا يمنح أي مشروع الوقت الكافي للتطوّر.
بعد جولتين، يمكن تقسيم المشهد إلى ثلاث دوائر: الوصل والعين وشباب الأهلي والجزيرة أكدوا جاهزيتهم للمنافسة، وعجمان فرض نفسه حصاناً أسود يحتاج إلى إصلاح دفاعه، فيما تقدم النصر بخطوات هادئة واستعاد يونايتد توازنه سريعاً.
في الجهة المقابلة، دخل الوحدة وبني ياس وخورفكان منطقة الضغط المبكر، بينما أظهر حتا والظفرة أنّ الأداء المقبول لا يكفي من دون نقاط.
لكن الرسالة الأهم جاءت من سوق الانتقالات: الوصل ضم طارمي وهوركاس، الجزيرة جلب مالكوم، الوحدة استعان بمونتينيغرو، وكلباء دخل في مفاوضات مع الغاني بنيامين تيتيه. الدوري لم يكتمل شكله بعد، والأندية ما زالت تعدّل قوائمها وهي تخوض المباريات.

الجولة الثانية لم تحسم هوية البطل، لكنها كشفت من بدأ الموسم بخطة واضحة، ومن لا يزال يبحث عن فريقه، ومن دفع مدربه ثمن ارتباك لم يكن مسؤولاً عنه وحده.
