العلوم والتكنولوجيا

الغوازي الجدد في فضاء “الهراء”: “عوالم” السوشال ميديا

0 0
Read Time:3 Minute, 21 Second

هناك شيء تغيّر في علاقتنا بالشهرة، وبالجسد، وبالخصوصية، بل وبفكرة “الموهبة” نفسها. لم يعد المشهد الرقمي يكتفي بعرض حياة الناس، ولا حتى بتحويل الحياة الخاصة إلى مادة عامة. لقد دخلنا مرحلة يبدو فيها أن الانتهاك نفسه صار محتوى، والفضيحة صارت سيرة ذاتية، والانهيار العائلي صار عرضاً جماهيرياً، والجسد صار أداةً للفت الانتباه، والتهريج صار أحياناً بديلاً من الموهبة.

نماذج لا تستحق ذكرها بالأسماء، امرأة تسلّع جسدها “بالفيديو” بحجة إجراء تجميلي، فيتحول الحديث عن الطب إلى ذريعة للاستعراض. زوجان يختلفان أمام الجمهور، وتُستدعى الخلافات الزوجية والسكاكين والاتهامات المتبادلة إلى شاشة الهاتف، فيما يبقى الأطفال داخل المشهد كأنهم جزء من الديكور. شخصية معروفة تحوّل نفسها إلى مادة للفرجة في بث مباشر، وممثل صاحب تاريخ فنّي طويل يدخل سباق الهدايا الرقمية والحركات الاستعراضية…

المشكلة هنا ليست أن الناس “أصبحوا سيّئين” فجأة، بل في أن منظومة كاملة بدأت تكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر قيمة، والأكثر صدمة لا الأكثر موهبة، والأكثر قدرة على صناعة الضجيج لا الأكثر قدرة على صناعة المعنى. ولفهم كيف تآكلت مقاييس القيمة لصالح “الهراء”، من المفيد العودة قليلاً إلى التاريخ.

 

 

 

تآكل الخصوصية (النهار)

تآكل الخصوصية (النهار)

 

 

من العالمة إلى الغازية: كيف يتكرر التاريخ مع صنّاع المحتوى اليوم

في العصرين العثماني والمملوكي في مصر، كانت الـ”عالمة” سيدة من طبقة محترمة جداً، تحفظ الشعر وتجيد الغناء الكلاسيكي وتتقن العزف على الآلات الموسيقية (مثل العود والناي)، ولديها إلمام واسع بالأدب والسيرة وقواعد الإتيكيت. كانت مهمّتها الأساسية هي تثقيف نساء الطبقة الأرستقراطية وزوجات الأمراء داخل “الحرملك” والترفيه عنهن، ولم تكن ترقص أو تظهر أمام الرجال الغرباء نهائياً.

على النقيض، كانت هناك فئة أخرى في المجتمع تُعرف باسم “الغوازي”. وهنّ نساء كنّ يمتهنّ الرقص في الشوارع، الموالد، والساحات العامة أمام العامة مقابل المال، إلى أن أصدر محمد علي باشا (حاكم مصر) في عام 1834 قراراً صارماً بمنع عملهن في شوارع القاهرة ونفي “الغوازي” إلى الصعيد (تحديداً إسنا وقنا).

وللتحايل على قرار المنع، عادت “الغازيّات” لتقديم عروضهن في العاصمة بستار أنهن “عالمات”، حتى بدأت الخطوط الفاصلة تذوب بين الفئتين المختلفتين كلياً. انقرضت تدريجاً “العالمة” المثقفة الأصلية، واحتلت مكانها “الغازية” بعدما أخذت اللقب وأصبحت “عالمة” من نوع آخر مرتبطة بالكباريهات، من فئة “العوالم” التي نراها في الأعمال الدرامية المصرية.

المشهد عينه يُعاد اليوم. السوشال ميديا، حيث كل ما يمكن تحويله إلى انتباه قابل للتحويل إلى مال، نظّمت عمل “الغوازي”، ووضعت له مؤشرات أداء، ومنحته جمهوراً، ثم قدّمته بوصفه مهنة تحمل اسماً محترماً: “صناعة المحتوى”. هنا الخطر ليس في وجود الغوازي أو الهراء، فقد وُجدا دائماً، بل في محو الفارق بين “الغازية” و”العالمة”، حتى سقطنا أكثر في زمن “الهراء”، وما زلنا ننحدر فيه.

ابتسموا… نحن في زمن الهراء

في مقالته الشهيرة On Bullshit، التي صدرت لاحقاً في كتاب، يميّز الفيلسوف الأميركي هاري فرانكفورت بين الكاذب ومنتِج الهراء. الكاذب يعرف الحقيقة ويحتاج إليها كي يقلبها أو يخفيها، أما منتِج الهراء فلا تشغله صحّة قوله أصلاً، بل الأثر الذي سيتركه. وهكذا “الفاشنيستا” أو “الفود بلوغر” المبتذل لا “يكذب” بالضرورة عندما يستعرض منتجاً رديئاً أو أسلوب حياة مزيّفاً، هو ببساطة لا يكترث بما إن كان هذا المنتج جيداً أو لا، ولا يكترث إن كان هذا المحتوى يمتلك أيّ قيمة جمالية أو فنية. الحقيقة (أو الجودة أو المعيار المهني) خارج حساباته تماماً. كل ما يهمّه هو “الاستعراض” وتحقيق الغاية المتمثلة في التفاعل الذي تحوّله الخوارزميات إلى أموال.

يتقاطع فرانكفورت هنا مع مفهوم إدارة الانطباع لدى عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان. يتصرّف الفرد في المجال الاجتماعي كمن يقف على خشبة، فيختار ما يظهره وما يخفيه ليضبط الصورة التي يحملها الآخرون عنه. لكن المنصّة الرقمية ألغت نهاية العرض. لم يعد هناك ستار يُسدل أو كواليس ينسحب إليها المرء. يجب أن يبقى المؤثر أو صانع المحتوى مشهوراً وثريّاً ومرغوباً ومثاراً للجدل على مدار الساعة. وهكذا لا يبيع معلومة ولا تجربة بقدر ما يبيع من ذاته، كالجسد أو العائلة أو حتى السمعة، فالفضيحة يمكن أن تصبح رأس مال أولياً. يجري امتصاصها وإعادة سردها وتحويلها إلى متابعة، ثم إلى منتجات وعقود وهويّة تجارية، وأرباح يسهم الجمهور المتضرر منها، بها. هنا المستخدم ليس مجرد متلقٍ بريء، فأنا وأنت، جزء من دورة الإنتاج! 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *