العلوم والتكنولوجيا

في انحسار مكانة إيران وأذرعها الميليشياوية

0 0
Read Time:3 Minute, 26 Second

استطاعت إيران التحول إلى دولة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط لعقدين من الزمن، لكن ذلك لم يكن بسبب قوتها الاقتصادية أو التكنولوجية أو العسكرية، أو بسبب قوة النموذج الذي مثلته كدولة، بقدر ما كان نتيجة توافر عوامل عديدة، أهمها:

أولاً، الاستثمار الأميركي (والإسرائيلي) بالدور الوظيفي الذي اضطلعت به إيران، في محاولاتها لفرض هيمنتها في المنطقة، عبر أذرعها الميليشياوية المسلحة، ما أدى إلى تقويض الاستقرار السياسي والاجتماعي في دول المشرق العربي، على وجه الخصوص، لا سيما في العراق ولبنان، الأمر الذي يتماشى مع مصلحة إسرائيل.

ثانياً، غياب محور عربي فاعل، في ظل غياب التوافق بين الدول العربية على الحاجات والأولويات.

ثالثاً، قيام الولايات المتحدة بغزو العراق (2003)، وتالياً تسليمه على بياض للميليشيات التابعة لإيران.

رابعاً، التعنت الإسرائيلي إزاء عملية التسوية، الأمر الذي مكّن إيران من ركوب القضية الفلسطينية، وادعاء “المقاومة والممانعة”، بخاصة مع تقديمها الدعم غير المحدود لـ”حزب الله” في لبنان.

خامساً، إزاء كل ذلك بدا أن الإدارات الأميركية تتعاطى بنوع من اللامبالاة إزاء ما تفعله إيران وميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، باعتبار ذلك يخدم سياساتها (أي الولايات المتحدة) في اتجاهين، الأول، ضمان أمن إسرائيل لمدى بعيد، بسبب الخراب الحاصل في دول المشرق العربي. والثاني، استخدام الخطر الإيراني كفزاعة في وجه بعض الأنظمة العربية لدفعها نحو طلب الحماية الأميركية، وضمنها الانفتاح على إسرائيل والتطبيع معها، أو إدخالها في نوع من نظام إقليمي مشترك سياسي وأمني واقتصادي.

لكن كل ذلك لم يشتغل لأمد طويل، إذ انتهت فترة الاستثمار الأميركي تلك، التي امتدت طوال عقدين من الزمن (2003 ـ 2025)، بعدما انتهت فاعليتها، مع كل التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط.

 

تحولات أنهت مرحلة الاستثمار في الدور الإيراني

 

بيد أن ذلك تم، أيضاً، بدفع من عاملين رئيسيين. أولاً، عملية “طوفان الأقصى”، التي أدت إلى توحش إسرائيل إزاء الفلسطينيين، وسعيها إلى كسر النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بما في ذلك ضرب أذرعها الميليشياوية. وثانياً، محاولة النظام الإيراني الاستحواذ على قوة نووية وقوة صاروخية. وثمة عامل ثالث، مستجد، تمثل بمحاولة إيران خنق الاقتصاد العالمي، باستخدام مضيق هرمز كسلاح في يدها، مع تهديد دول الجوار في الخليج العربي.

المفارقة هنا أن عملية “طوفان الأقصى”، المفاجئة والقوية، التي شكّلت ذروة الخيار العسكري الميليشياوي لمعسكر “المقاومة والممانعة”، بزعامة إيران، مع إسناد “حزب الله” لـ”حماس” في غزة، والقصف الصاروخي ضد إسرائيل من الحوثيين في اليمن، ومن الفصائل في العراق، مع امتشاق شعار “وحدة الساحات”، كانت، أيضاً، ذروة إخفاق إيران والميليشيات التابعة لها.

وللتذكير، فقد حصل ذلك بطريقة مريعة وفاضحة وسريعة، إذ استطاعت إسرائيل، في غضون ثلاثة أشهر، تقويض قوة “حزب الله”، وتدمير قدرات الجيش السوري، بعد انهيار نظام الأسد (كانون الأول/ديسمبر 2024)، وتحجيم نفوذ الميليشيات العراقية.

أيضاً، لم تتوقف الولايات المتحدة وإسرائيل عند هذا الحد، إذ قامتا بشن حرب على إيران على مرحلتين، كما شنتا في مرحلة ثالثة هجمات في شهر تموز/يوليو الماضي، وهي حرب لم تنته بعد.

 

متظاهرون في بغداد يرفعون أعلام إيران والعراق و

متظاهرون في بغداد يرفعون أعلام إيران والعراق و

 

خسارة السردية والمكانة الإقليمية

على ذلك، فربما إن أكثر شيء خسرته إيران في تلك الحرب المستمرة هو سرديتها عن ذاتها، على الصعيد الإقليمي والدولي، وأمام شعبها، إذ كانت بنت صورتها، طوال العقدين الماضيين، باعتبارها دولة قوية لا تُقهر، ليس في مواجهة إسرائيل فقط، وإنما حتى في مواجهة الولايات المتحدة، هذا إضافة إلى ادعائها بإمكان محو إسرائيل في ظرف أيام، إذ إن كل تلك الادعاءات تبين أنها شعارات سرعان ما فقدت صدقيتها في اختبار التجربة.

أيضاً، فهي خسرت صورتها ومكانتها كقائد لمحور “المقاومة والممانعة”، بعدما نأت بنفسها عن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد غزة طوال عامين، تاركة “حماس” لمصيرها، كما نأت بنفسها عن دعم “حزب الله”، درة التاج في ميليشياتها في المنطقة، بعد الضربات القاسية التي وجهتها إسرائيل له في خريف العام 2024.

على الصعيد الخارجي، فإن خسارات إيران تشمل انكشاف فكرتها عن عالم متعدد الأقطاب، وقرب انهيار الولايات المتحدة، إذ تبين أن مجموعة دول “بريكس”، أي الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، غير فاعلة، ولا تستطيع شيئاً إزاء ما تريده أو تفعله الولايات المتحدة، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا تكنولوجياً ولا عسكرياً.

في المحصلة، خسرت إيران كثيراً، ويُحتسب في ذلك الخسائر البشرية والمادية، ومنشآت البرنامج النووي، وقطاعات من البنى التحتية، فضلاً عن أن منع إيران للملاحة في الخليج انعكس عليها سلباً بقيام الولايات المتحدة بفرض الحصار المطبق على موانئها، مع وجود أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *