إرث منى خليل حيّ في البترون… صغار السلاحف تشقّ طريقها إلى البحر (فيديو)
في مكان يشبه ذلك الذي كرّست له منى خليل سنوات من حياتها، تستمرّ الحكاية. على شاطئ البترون، خرجت أمس صغار السلاحف البحرية من أحد أعشاشها، وشقّت طريقها نحو البحر، في مشهد بدا كأنه امتداد حيّ لإرث الناشطة البيئية الراحلة، التي جعلت من حماية السلاحف والدفاع عن الطبيعة قضية حياة، لكن العدوان الإسرائيلي حرمها مواصلة مسيرتها بعدما استهدف منزلها في المنصوري، جنوب لبنان.

لم تكن منى خليل حاضرة في هذا المشهد، لكن ما زرعته كان حاضراً بقوة. فبعد رحيلها، يبدو أن الوعي الذي عملت على نشره بدأ يجد طريقه إلى مزيد من الشواطئ والمجتمعات المحلية، من خلال أشخاص ومؤسسات باتوا يعرفون أن اكتشاف عشّ سلحفاة لا يعني الاقتراب منه أو العبث به، بل إبلاغ المختصين وحمايته حتى تكتمل دورة الحياة.
View this post on Instagram
وفي حديث خاص الى “النهار”، يقول الناشط البيئي رامي خشّاب، أحد أصدقاء منى خليل، إن هذا النشاط يأتي في إطار الحفاظ على إرثها واستكمال الطريق الذي بدأته. ويوضح أن التواصل معهم بدأ بعدما تابع المعنيون قصة منى والجهود التي بذلتها لحماية السلاحف، لتبدأ بعدها شواطئ ومنتجعات في البترون وجبيل بإبلاغ الفريق كلما رصدت سلحفاة تضع بيضها.
ويقول خشّاب: “تمكنا من حماية 13 عشاً في البترون وعش واحد في جبيل. لم نبدأ العمل منذ بداية الموسم، لكن البلدية اهتمت بهذا الموضوع بعدما علمت أن هناك فريقاً يعمل على حماية السلاحف في لبنان”. ويشير إلى أن أول عملية تفقيس في البترون هذا الموسم جرت بمشاركة الجميع، في خطوة تعكس تحوّل حماية السلاحف من جهد فردي إلى مسؤولية جماعية.
في البترون، بدأت القصة عندما أبلغ أفراد من المجتمع المحلي والمنتجعات السياحية القريبة من الشاطئ لجنة البيئة في البلدية بوجود أعشاش للسلاحف البحرية. وعلى الفور، جرى التواصل مع خشّاب لمعاينة الأعشاش والتأكد من سلامتها، لتبدأ بعدها أسابيع من الانتظار والمراقبة.

وبقيت الأعشاش تحت المتابعة لمدة راوحت بين 45 و60 يوماً، إلى أن حان موعد الفقس. خرجت الصغار، وتأكد المعنيون من أنها بحالة صحية جيدة وقادرة على التوجه إلى البحر، قبل أن تُسهّل عملية وصولها إلى المياه، لتبدأ هناك رحلتها الأولى.
ويؤكد رئيس لجنة البيئة في بلدية البترون عادل عسّال لـ”النهار” أن ما حصل لم يكن ليتحقق بهذه السهولة لولا التعاون بين البلدية والمجتمع المحلي والمنتجعات السياحية. ويقول إن اكتشاف الأعشاش تم “مصادفة”، بعدما بادر أشخاص من المجتمع المحلي والمنتجعات إلى إبلاغ البلدية، التي تحركت بالتعاون مع المختصين.

لكن بالنسبة إلى عسّال، لا تكمن أهمية التجربة في عدد الأعشاش التي تم إنقاذها فحسب، بل في الوعي الذي رافقها. فقد تخلّل الحدث لقاء توعوي للأطفال والشباب للتعريف بالسلاحف البحرية وأهمية حماية أعشاشها، في محاولة لغرس هذا السلوك البيئي منذ الصغر.
ويقول إن التعاون جعل العملية “سهلة ومنظّمة وناجحة”، مشدداً على أهمية أن يصبح كل فرد أكثر تنبهاً الى ما يحدث في الطبيعة، وأن يعرف كيف يتصرف عندما يصادف عشاً أو كائناً يحتاج إلى الحماية.
ثم يعود اسم منى خليل إلى الواجهة. بالنسبة إلى عسّال، ما يجري اليوم هو أيضاً وفاء لمن فتحت الطريق أمام هذه الجهود، ويقول لـ”النهار”: “أود أن أتوجه بالشكر الكبير إلى السيدة منى خليل، رحمها الله، التي فتحت لنا هذا الطريق، وعلّمتنا أن الطبيعة يجب أن تأتي دائماً في المقام الأول”.
لا تبدو رحلة صغار السلاحف من رمال البترون إلى البحر مجرد حدث بيئي عابر. إنها حلقة جديدة في قصة بدأت بمن آمنت بأن حماية كائن صغير يمكن أن تكون دفاعاً عن منظومة حياة كاملة. ومع كل عش يُكتشف ويُحمى، وكل طفل يتعلم أن يترك الطبيعة تنبض من دون أن يؤذيها، يستمر إرث منى خليل بطريقة ربما كانت الأقرب إلى ما أرادته: أن تصبح حماية الطبيعة ثقافة جماعية، لا مهمة فرد واحد.

أما صغار السلاحف التي وصلت إلى البحر أمس، فقد أكملت الجزء الأصعب من رحلتها. وغادرت الشاطئ تاركة وراءها أثراً أكبر من خطواتها الصغيرة على الرمال: دليلاً على أن إرث الإنسان قد يستمر أحياناً في أبسط صورة ممكنة… حياة جديدة تجد طريقها إلى البحر.
