الذّباب “يطنّ” في تركيا
في 2018 تقريباً، استفحلت الحملات المحرّضة في الجانب الخليجي من وسائل التواصل الاجتماعي على مقاطعة السياحة في تركيا بدعوى أن الأتراك كارهون شرسون للعرب.
ولو كانت الحياة مسلسلاً خليجياً درامياً يجب أن تُكتب له نهاية مثالية ومبهجة، فكنا في 2026 لنكون قد وصلنا إلى الحلقة الـ30 والأخيرة التي تُوقع فيها الاتفاقيات، ويتصافح فيها القادة، فتتغير السردية تجاه السياحة في تركيا 180 درجة باعثة على الدوار، وتتحول من “دعوهم يفلسوا دون دراهمنا” إلى “حتى الحمائم في ميدان تقسيم لبقة، وتتحاشى قضاء حوائجها على السياح”.
لكن الواقع لا يتبع سيناريو ما، فقبل الوصول إلى الحلقة الـ30 بكثير، كان الذباب الإلكتروني قد فنّد بنفسه جميع حملاته التحريضية السابقة على السياحة في تركيا حتى لم يعد من داعٍ أصلاً لافتعال النهاية السعيدة الآن.
فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، راح من يتبلّى على تركيا، ويتهم شعبها بالتحيز الأعمى وغير المبرر ضد الخليجيين، يحمّل وينشر – بكامل إرادته – الأدلة التي تدينه، وتبرر حنق الأتراك وعدوانيتهم وسوء أخلاقهم تجاه أمثاله.
فضائح أناضولية
سترون مقاطع للرقص على الأغاني التراثية الصاخبة التي تزعج الأتراك في الأماكن العامة، وتفسد عليهم هدوء الطبيعة الخلابة. سترون مقاطع للصراخ في الأسواق، وأمام المنشآت، وعلى أرصفة الشوارع المزدحمة، لتصوير المحتوى التافه. ومقطعاً للدهس المتعمد على قدم كلب شوارعي بغرض “الإضحاك”، وأنتم تعلمون كم يبجّل الأتراك حيواناتهم ويحسنون إليها. ومقاطع لا تعد ولا تحصى لمضايقة مقدمي الخدمات والمرشدين السياحيين، والاستظراف على حسابهم، والاستهزاء بهم والتقليل منهم بمفردات بدوية “قحة” يستحيل أن يفهموها.
بل سترون مقطعاً لمن استغل جهل مراهق تركي باللغة العربية، فراح يردد على مسامعه عبارة عامية معروفة هي بمثابة “الميم”، وتعني بأنه يود اغتنام الفرصة للتحرش به جنسياً!
وكوني لم أزر بلاد الأناضول هذا الصيف، فلم أكن لأعلم أصلاً بكل هذه الحوادث المشينة، بيد أن من أمعنوا في تشويه سمعة الأتراك سابقاً، والتعميم عليهم، ومحاولة الإضرار بالسياحة لديهم، تكفلوا بفضح أنفسهم بأنفسهم.
ظلموك يا بك
لسنوات، كانوا ينقلون إلينا اللقطة المثيرة التي يهبّ خلالها التركي الغاضب للطمهم وشتمهم، ويرفقون اللقطة بتعليق متمسكن على شاكلة “قاطعوا هؤلاء الهمج العنصريين”. وأعترف بأني كنت أتساءل كيف يحدث لهم هذا باستمرار، فليس الأتراك بالملائكة، ولكل الشعوب أبالستها، ولكن للأمانة، لم أجد عندهم سوى أكواب الشاي المجانية تمتد نحوي متبوعة بكلمة “زيافت”، أي “ضيافة”.
قرر القدر أن نرى أيضاً كل ما كان يدور “خلف الكواليس”، وأن نفهم لماذا شعر كل أولئك الأتراك بالإهانة والاستفزاز قبل أن تتم شيطنة ردود أفعالهم.
عموماً، ما من ضرورة اليوم لأن يتراجع من كانوا يروجون لمقاطعة تركيا. وما من ضرورة لأن تختلف نبرة “طنينهم” الافتراضي وهم المتذبذبون دوماً بين قذف الشعوب ومداهنتها، فوسائل التواصل الاجتماعي برأت الأتراك بالفعل.
