حظر الحجاب لن يحلّ مشكلات فرنسا
رغم إدانتها في قضية اختلاس في البرلمان الأوروبي، حصلت مارين لوبن زعيمة حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) على الضوء الأخضر من القضاء لخوض معترك الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا.
تعهدت لوبن بأنه في حال فوزها، وهو احتمال وارد جداً حسب استطلاعات الرأي، بتنظيم استفتاء شعبي حول حظر ارتداء الحجاب في الفضاءات العامة.
ومما يذكر أن ارتداء الحجاب في فرنسا ممنوع في المدارس العمومية والمدارس الخاصة المتعاقدة مع الدولة والوظائف الحكومية، ولكنه مسموح به في غير ذلك من الأماكن.
يتناغم الوعد الانتخابي للوبن مع المنحى الأيديولوجي لحزب التجمع الوطني ومواقفه السابقة. ويشكل أيضاً محاولة لاكتساب مزيد الأصوات في السباق نحو الإليزيه، إذ إن آخر الاستطلاعات أظهرت أن قرابة 70 في المئة من الفرنسيين يساندون حظر الحجاب في الأماكن العامة.
ويحظى هذا الموقف على وجه التحديد بمساندة أكثر من 80 في المئة من المنتمين لأقصى اليمين وأكثر من 65 في المئة من أنصار الرئيس ماكرون المحسوبين على اليمين المعتدل.
ليس هناك شك في أن المجتمع الفرنسي من أكثر المجتمعات الأوروبية نزوعاً نحو اللائكية إن لم يكن أكثرها. فلهذا المجتمع حساسية خاصة تجاه كل المظاهر الدينية، خاصة عندما تكون مرتبطة بثقافات وتقاليد وافدة من خارج أوروبا. وتكون هذه الحساسية أكثر حدة حين يكون الأمر مرتبطاً بالعلاقة الملتبسة مع منطقة المغرب العربي وما تحمله من رواسب استعمارية.
في هذا الإطار، ترى شرائح واسعة من اليمين الفرنسي في الحجاب تهديداً للنموذج العلماني للمجتمع. ويشعر الكثير من أنصار اليمين بأن هناك “زحفاً” مخيفاً للحجاب في عديد المدن الفرنسية، وخاصة في الضواحي الفقيرة ذات الكثافة الديموغرافية المغاربية والأفريقية.
يولّد هذا الخوف في أذهان الكثير من الفرنسيين هواجس تبلغ حد تضخيم أعداد الأقلية المسلمة في بلادهم. وقد أظهر استطلاع للرأي أجري في أواخر 2016 أن الفرنسيين يعتقدون أن عدد المسلمين يتجاوز ثلث سكان فرنسا، فيما النسبة الحقيقية لم تتجاوز 7 في المئة سنة 2025.
وقد ساهمت استطلاعات الرأي نفسها في تأجيج هذه المخاوف من ذلك، خصوصاً استطلاعاً أظهر السنة الماضية أن 44 في المئة من الشابات المسلمات أصبحن يرتدين الحجاب مقابل 16 فقط في المئة سنة 2003. الاستطلاع نفسه أظهر تنامياً لمشاعر التعلق بالهوية لدى الأجيال الجديدة من المسلمين، بما يشكل ابتعاداً عن النموذج الليبرالي والعلماني.
وقد يشير ذلك إلى جوهر المشكلة المتمثلة في فشل السياسات الفرنسية الرامية لإدماج الأقليات المسلمة ضمن المجتمع الفرنسي ككل، في تحد رفعته بنجاح بلدان أوروبية أخرى.
فشلت السياسات الفرنسية على مدى عقود لأنها لم تأخذ في الاعتبار دوافع الشعور بالإقصاء والتمييز لدى الأقليات العربية والمسلمة وخصوصياتها الثقافية والاجتماعية. وزاد في تعميق المشكلة انغلاق وتصلب بعض المجموعات الإسلامية المتشددة التي ترى في الاندماج تهديداً للهوية.
لم يألُ أقصى اليمين على مدى السنين جهداً لتوظيف أي هواجس مرتبطة بالمهاجرين. وتجد لوبن في المزايدة على قضية الحجاب ورقة انتخابية رابحة.
لكن الطريق نحو تنفيذ مبادرتها سوف يصطدم بمصاعب عملية جمة، بالإضافة الى التعقيدات الدستورية والقانونية الكثيرة التي ستواجه مشروع الاستفتاء، ومن بينها احتمال تعارضه مع الالتزامات الأوروبية لفرنسا في مجال الحريات وحقوق الإنسان.
كانت لوبن قد اكتشفت سنة 2022 أن ارتداء الحجاب مرتبط في حالات عديدة بالتقدم في السن. اعترفت عندها بأن المسألة “معقدة”. وقد تكتشف هذه المرة أن الظاهرة تشكل في الغالب سلوكاً اجتماعياً وثقافياً محافظاً. وهي إن تُرجم لدى البعض من المغتربات رغبة في الاختلاف، فهي لا تنطوي على دعوة للقطيعة والصدام مع المجتمع الفرنسي.
والأهم من ذلك أنه لو كُتب لمارين لوبن الفوز في الرئاسيات المقبلة، فهي ستجد نفسها عالقة في قضايا الضرائب والدين وسن التقاعد وغيرها من القضايا الشائكة التي أرّقت أسلافها، ولن تترك لها المجال لتنظيم استفتاء ليس من شأنه أن يحل مشكلات فرنسا بل سيزيدها تعقيداً.
