العلوم والتكنولوجيا

عندما تنتصر السّردية على الأرقام… كيف يبني الإعلام صورة الأمم؟

0 0
Read Time:2 Minute, 11 Second

لم يعد نجاح الإعلام في العصر الحديث يقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم الإنفاق الإعلامي، بل بقدرته على بناء سردية مقنعة تترسخ في أذهان الجمهور. فالإعلام ينتصر عندما يكسب الثقة ويمنح الأحداث معنى ويحوّل الإنجازات إلى قصص ملهمة تتجاوز حدود المكان والزمان.

 

ولهذا، قد يحقق مشروع تنموي محدود التكلفة انتشاراً عالمياً يفوق مشروعاً آخر بمليارات الدولارات، لأن الأول امتلك قصة مؤثرة بينما اكتفى الثاني بعرض الأرقام.تدرك الدول الكبرى أن الإعلام لم يعد أداة لنقل الخبر، بل أصبح جزءاً من منظومة القوة الوطنية، يسهم في بناء السمعة وتعزيز الثقة وجذب الاستثمار ودعم السياحة وترسيخ النفوذ السياسي والثقافي. لذلك، لا تترك الدول مشاريعها الاستراتيجية من دون رواية إعلامية، بل تحيطها بخطط اتصال تبدأ قبل الإعلان عنها وتستمر خلال التنفيذ ولا تنتهي عند الافتتاح.

وعندما تتعرض الدول لحملات إعلامية معادية، فإن المواجهة لا تكون بالردود المتأخرة أو البيانات التقليدية بل ببناء سردية قوية قائمة على الحقائق والإنجازات والشفافية. فالرأي العام العالمي لا يتذكر من رد أكثر، بل يتذكر من امتلك الرواية الأكثر مصداقية واتساقاً واستمرارية.

ومن هنا يصبح الاتصال الاستراتيجي شريكاً في صناعة الإنجاز لا مرحلة تالية له. فالمشروع الذي لا يُروى للعالم، كأنه لم يُنجز إعلامياً مهما بلغت قيمته الاقتصادية أو التنموية. وعلى النقيض تستطيع مبادرة إنسانية أو علمية أو اقتصادية محدودة التكلفة أن تتحول إلى قصة عالمية إذا نجحت في مخاطبة الإنسان قبل مخاطبة الأرقام.

الجودة وليس الحجم

وتبرز هنا إحدى الإشكاليات التي تواجه بعض المؤسسات والدول، وهي الاعتقاد بأن ضخامة المشروع تكفي لضمان انتشاره. والحقيقة أن ما ينتشر ليس حجم الإنفاق بل جودة الفكرة وقوة الرسالة ورمزية المشروع والقدرة على تقديمه بلغة يفهمها العالم. ولهذا رأينا مبادرات إنسانية أو حملات توعوية أو مشاريع ابتكارية محدودة الموازنة تحصد اهتماماً عالمياً، بينما مرت مشاريع ضخمة مروراً عادياً بسبب غياب السردية أو ضعف التخطيط الإعلامي.

ويعود ذلك في كثير من الأحيان إلى الافتقار إلى العقول المتخصصة في الاتصال الاستراتيجي القادرة على تحويل الإنجاز إلى قصة مؤثرة، وربط المشروع برؤية الدولة ومستقبلها وإدارة الرسائل الموجهة لمختلف الجماهير والأسواق. فالمشكلة ليست دائماً في الإعلام بل في غياب الخبرات التي تفهم كيف تُبنى الصورة الذهنية وكيف تُدار السمعة وكيف تُحوّل الوقائع إلى قوة ناعمة.

استثمار للمستقبل

 

إن الأمم التي تدرك قيمة الإعلام لا تعتبره إدارة للنشر، بل استثماراً استراتيجياً في المستقبل. فالصورة الذهنية التي تُبنى اليوم قد تجذب استثمارات الغد وتعزز مكانة الدولة لعقود وتمنحها قدرة أكبر على مواجهة حملات التضليل والإعلام المعادي. وفي عالم تتنافس فيه السرديات قبل الجيوش، لم يعد السؤال: كم أنفقنا على المشروع؟ بل أصبح: هل نجحنا في إقناع العالم بأهميته؟ ففي النهاية لا ينتصر الإعلام بالأرقام، بل ينتصر عندما يمنح الإنجاز قصةً تبقى في ذاكرة العالم.

 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *