هل “حزب الله” متوجس فعلاً من رغبة تركيا في تعزيز حضورها؟
“موسم الحج السياسي إلى تركيا الطامحة” هو الوصف السياسي الذي يحبّذ معنيون أن يعطوه للحراك السياسي الاستثنائي لمسؤولين وسياسيين لبنانيين في اتجاه أنقرة خلال الأشهر الأخيرة.
وآخر الحراك زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون، التي أعقبت مباشرة زيارة رئيس الحكومةنواف سلام، وقبلهما الرئيس نجيب ميقاتي، وزعيم المختارة وليد جنبلاط.
حج سياسي لافت لا يمكن إدراجه في خانة العادي والمألوف، بل هو في خانة الاستثنائي شكلاً ومضموناً وتوقيتاً، بما يفتح باب التكهنات على مصراعيه، ويعزز فرضية أن تركيا راغبة في توسيع حضورها السياسي في الساحة اللبنانية بعدما رسخت قدميها في الساحة السورية من خلال إمساك حلفائها الموثوق بهم بمقاليد الأمور في دمشق. ومن الطبيعي أن من يحكم دمشق يمدّ نظره تلقائياً في اتجاه الساحة اللبنانية بحكم التاريخ والجغرافيا.
عامل مغرٍ
عامل إضافي آخر يغري أنقرة بحجز مكان لها على الخريطة السياسية اللبنانية، هو أن هذه الساحة غدت في نظر كثيرين تعيش فراغاً يتعيّن ملؤه بعدما خفت القبضة الإيرانية عليها بفعل التطورات والتحولات التي تلت حرب إسناد غزة التي خاضها “حزب الله”.
لذا لم يكن مفاجئاً أن يذخر الإعلام الذي واكب زيارة الرئيس عون لأنقرة بأجواء من قبيل أن تركيا أبدت استعداداً وجهوزية لعقد شراكة اقتصادية وأمنية مع لبنان مستقبلاً، والأهم أنها مستعدة للمشاركة في أي قوة عسكرية تنتشر جنوباً، بديلة من قوة “اليونيفيل” التي يفترض مبدئيا أنها ستنسحب في نهاية السنة بعدما تعذر التجديد لها على جاري العادة، وقد فتح ذلك باب سيناريوات وعروض متعددة للحلول محل “اليونيفيل”.
تركيا أكثر جرأة
بالإجمال، لم يعد خافياً أن تركيا باتت أكثر جرأة في تقديم نفسها على أنها راغبة في تعزيز حضورها في الساحة للبنانية التي كانت قبل قرن وبضع سنين ولاية عثمانية.
هذا العرض سيجد بطبيعة الحال من يلاقيه ويرحب به، وسيجد أيضاً من يبدي تخوفات وهواجس منه. وبمعنى أكثر وضوحا، سيكون العرض التركي عنصراً إضافياً من عناصر الانقسام الداخلي، خصوصا أن ثمة من يرى أن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى دخول لبنان بهدف “التعامل” مع “حزب الله” هي نوع من إغراء للنظام التركي الحليف لدمشق والحليف للغرب، ليتقدم ويصير لاعباً إقليميا أكبر.
لا ريب في أن ثمة من يسأل، والحال هذه، عن احتملات مقاربة الحزب لهذا العرض التركي، خصوصا أن الكلام حوله يدور على خلفية أنه البديل المحتمل للوجود الإيراني أو الوارث “الشرعي” لهذا الوجود الذي غدا بالنسبة إلى كثر بمثابة “الوجود المريض”.
“حزب الله”، على لسان مقربين منه، أخذ على نفسه عهدا بالتعامل بقلة اكتراث مع هذا الموضوع، بناء على اعتبارات عدة أبرزها:
– أنه سبق أن أوجد قناة تنسيق منذ زمن مع التركي، وقد فعلت فعلها في محطات عدة إحداها عندما أعلن الحزب أن التركي طمأنه إلى أن السوري ليس في وارد تلبية الدعوات الموجهة إليه لدخول لبنان، إضافة إلى أنه عرض أن يؤدي دور الوسيط بين الحزب والحكم في لبنان.
– أن الحزب على يقين بأن إسرائيل ستكون أول المتوجسين من أيّ تمدد للتركي في اتجاه لبنان، ولهذا الأمر مقدماته وبراهينه السابقة في الساحة السورية، عندما رسمت إسرائيل بالنار لتركيا حدود حضورها قي تلك الساحة.
– عليه، فإن تركيا ستظل تتعامل مع الحزب على أنه جزء من منظومة مواجهة إسرائيل.
إلى ذلك، فإن الحزب ما زال يعتبر أن العرض التركي لم يتخطّ حدود العرض، وحدود طرق الباب للاستئذان بدخول البيت، ويحتاج الدخول إلى مزيد من الوقت والاتصالات والمقايضات ليتحول إلى مشروع جدي قابل للنفاذ، ويجد له في الداخل اللبناني من يستقبله ويسير في ركابه.
والحال هذه، الحزب لا يجد نفسه مضطراً إلى أي تعليق سلبي أو إيجابي، وسيترك للخائفين فرصة أن يفصحوا هم عن مكنونات رأيهم، خصوصاً أن الشارع الذي تراه أنقرة مداها الحيوي ويمكن أن تحلّ فيه، أي الشارع السني، ستجد أن هناك من ينافسها ويزاحمها عليه، باعتبار أن لهم قصب السبق في الحضور والأفضلية.
لكن ذلك كله لا يعني أن الحزب والجماعة الشيعية عموماً ستدير ظهرها لهذه المسألة وتتعامل معها كأن شيئاً لم يكن، بل هي ستبقى في موقع الرصد والتتبع والتقصي لأن الأمر يعنيها بالتأكيد.
