العلوم والتكنولوجيا

على واشنطن تلافي انزلاق دول المغرب نحو عدم الاستقرار

0 0
Read Time:4 Minute, 39 Second

لا بد أن تُلقي حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران الإسلامية بظلالها على الاستقرارين الاقتصادي والسياسي في دول المغرب العربي. إلا أن هذه الدول ستجد في الوقت نفسه، بدعم أميركي، فرصاً لترسيخ مكتسباتها السابقة للحرب، من خلال سد الثغر في أسواق الطاقة العالمية وغيرها من القطاعات الحيوية المتضررة من النزاع.

 

 

أول الظلال التداعيات الاقتصادية. وهي تبدو أكثر وضوحاً للحرب على دول المغرب في قطاع الطاقة. فمن الناحية النظرية يمكن الجزائر وليبيا بوصفهما دولتين مصدّرتين تعزيز صادراتهما من الغاز الطبيعي والنفط نحو أوروبا في ظل تقلّص الإمدادات من الخليج العربي. في هذا السياق زارت رئيسة وزراء إيطاليا جيورجيا ميلوني الجزائر أخيراً للتعبير عن هذه الرغبة. بيد أن كلا البلدين يواجهان تحديات جوهرية للوفاء بهذا الطلب.

 

تصدّر الجزائر كميات ضخمة من الغاز إلى الخارج، تشمل الغاز الطبيعي المُسال بطاقة تصديرية تبلغ 1215 قدما مكعبا سنوياً، إضافةً إلى الغاز الأنبوبي بطاقة 3262 مليار قدم مكعب سنوياً. غير أن الحفاظ على مستويات الإنتاج القياسية التي حققتها في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا بات أمراً عسيراً. وللتمكّن من ضخ كميات أكبر من الغاز إلى أوروبا مع الوفاء بالطلب الداخلي المتنامي، ستحتاج شركة سوناطراك الحكومية على الأرجح إلى ضخ استثمارات إضافية لتطوير البنية التحتية وتعزيز طاقتي التكرير والإنتاج.

 

على المنوال نفسه، تعثّرت ليبيا في بلوغ أهداف إنتاجها النفطي، إذ أسهمت الانقسامات السياسية وسوء الإدارة الاقتصادية في تجفيف تمويل هذا القطاع الذي لا يزال يحتاج إلى استثمارات ضخمة رغم إنجاز جولة مناقصات ناجحة نسبياً في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب. تُنتج ليبيا حالياً نحو 1,7 مليون برميل نفط خام يومياً.

 

وقد حدّدت مؤسسة النفط هدفاً هو الوصول إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030. وإذا أرادت ليبيا الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة في زمن الحرب وترسيخ صورتها مورداً موثوقاً به، عليها معالجة العوائق الداخلية التي تكبّل قطاع النفط. أما تونس والمغرب المستوردتان للطاقة فقد يُلقي ارتفاع الأسعار العالمية عبئاً ثقيلاً على ميزانتيهما العامة نظراً إلى الدعم الحكومي الكبير الذي تقدمانه في هذا المجال. وتبدو التداعيات أشد وطأةً في تونس حيث يتجاوز الدين العام 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ذلك أن كل دولار يُضاف إلى سعر النفط يعني نحو 164 مليون دينار من النفقات الحكومية الإضافية، مع احتمال رفع بعض بنود الميزانية بنسبة 50 في المئة. ويتعرّض البلدان لمخاطر ارتفاع تكاليف النقل. يُهدّد ذلك قطاعات محورية كالزراعة والصيد البحري والبناء والتصنيع وتوزيع الغذاء.

 

ما التداعيات السياسية والجيوسياسية؟ يجيب باحث مهم في مركز أبحاث أميركي جدي جداً: “دعت حكومات شمال إفريقيا رسمياً إلى ضبط النفس، واحترام السيادة الوطنية، والتضامن مع الدول العربية التي طالها العدوان الإيراني”. بيد أن ثمة فوارق لافتة في الموقف. فبينما تلافت تونس توجيه أي انتقاد مباشر لإيران، أقدم المغرب على إدانة سلوك النظام الإيراني صراحة. واستأثر الموقف الجزائري باهتمام خاص. 

 

تاريخياً، ظلّت علاقات الجزائر بإيران أكثر دفئاً مقارنة بجيرانها. فالمغرب قطع صلاته بإيران عام 2008 على خلفية اتهامات بالتبشير الديني. فيما اتسمت العلاقات التونسية – الإيرانية بالهدوء من دون أن ترقى إلى مستوى الحميمية. ومع ذلك يُحجم الجزائريون عن إدانة إيران صراحةً على هجماتها التي طالت دول الخليج، في تناقض مع انتقادهم السابق لإسرائيل حين هاجمت إيران في حرب حزيران 2025. لهذا التحفّظ دلالة بالغة في ضوء الخلاف المتجذر بين الجزائر والإمارات التي تعاني أشدّ الغارات الإيرانية منذ الشهر الماضي، فضلاً عن اتهام أبوظبي بدعم عناصر معادية في الجزائر.

 

على الصعيد المحلي، قد تترتب على الحرب تبعات سياسية في المغرب، حيث تأمل الأحزاب الإسلامية استعادة زخمها في انتخابات البرلمان مطلع الخريف المقبل. وقد وجّه حزب التنمية والعدالة الإسلامي الرئيسي انتقاداً صريحاً لإسرائيل والولايات المتحدة لهجومهما على إيران. لكن الحكومة التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل عام 2020 حظرت الاحتجاجات. المقلق في هذا المجال في رأي الباحث نفسه هو أن حرب إيران قد تفيد إحياء الأنشطة المتطرّفة في منطقة المغرب العربي، علماً أنها كانت تراجعت على نحو ملحوظ العقد الماضي. الدافع إلى ذلك حرب إيران، علماً أن لتونس والجزائر دوراً محورياً في استقرار المنطقة من خلال اشتراكهما مع الولايات المتحدة.
هل من انعكاسات على الولايات المتحدة؟ تحرص واشنطن على تفادي أي انزلاق نحو زعزعة استقرار دول المغرب اقتصادياً وغير ذلك بفعل الحرب، إذ إن الأمر قد يساهم في تمدد النفوذ المتطرّف الآتي من منطقة الساحل المجاورة. وتبقى تونس الأكثر هشاشة اقتصادياً. يهدد ذلك الاستقرار والحوكمة في المنطقة برمتها. 

 

الاستفادة من الصدمة الطاقوية

في الوقت الراهن قد تتيح الفوضى الراهنة في الشرق الأوسط فرصاً عدة، أولاها في المغرب الذي حقق تقدماً ملموساً في مسار التحول نحو الطاقة المتجددة. ويمكنه الاستفادة من الصدمة الطاقوية العالمية للتعجيل في الاستثمارات. ويمكنه تحويل إشكالية سلاسل توريد الفوسفات من عبء إلى فرصة بالتحول إلى لاعب رئيسي في سوق الأسمدة. وللجزائر أن تعيد صياغة نهجها في الموازنة بين خيار الاعتماد على الذات وضرورة التكيّف مع متغيّرات الاقتصاد العالمي، فتواصل مسيرة التنويع الاقتصادي، وتعزز قطاع الغاز لديها لسد الفجوات في أسواق الطاقة العالمية وتكبير حجم الإنتاج. أما ليبيا حيث تسعى الولايات المتحدة إلى التوسط لتحقيق اتفاق لتقاسم السلطة بين النخب السياسية، فقد تعطيها حرب إيران فرصةً أخرى للتغلّب انقساماتها المزمنة وإثبات موثوقيتها موردةً للنفط.

 

وحتى تحمي واشنطن مصالحها في منطقة المغرب، على صانعي سياستها مواصلة تعاملهم مع كل دول المنطقة، في حين يبلغ الانشغال في الحرب الإيرانية والأزمات الأخرى في الشرق الأوسط الذروة. وعليهم تجنّب اتخاذ تدابير عقابية في حق الدول التي لا تجاهر بمساندتها ضد طهران. وهناك ضرورة للحفاظ على رؤية بعيدة المدى لإمكانات المنطقة، وذلك بتشجيع الاستثمارات في قطاع الطاقة في الجزائر وليبيا.

 

ويهيئ ذلك المغرب العربي كله ليكون شريكاً أمنياً واقتصادياً أكثر رسوخاً في مرحلة ما بعد الحرب على إيران. وعلى صانعي السياسة الأميركيين الاستمرار في العمل الديبلوماسي الهادئ والمهم جداً للتوصل إلى تسوية سلمية لنزاع الصحراء المغربية. وربما تحتاج أميركا في ذلك إلى مزيج من الحوافز الأكثر والضغوط الأشد، فضلاً عن انخراط دائم ومستدام.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *