لماذا يفكر الناشرون في قطع علاقتهم مع “غوغل” بسبب الذكاء الاصطناعي؟
مع استمرار أدوات الذكاء الاصطناعي في تغيير طريقة البحث على الإنترنت، بدأت مؤسسات إعلامية كبرى بإعادة تقييم علاقتها مع “غوغل”، بعدما تراجعت أهمية محرك البحث كمصدر رئيسي للزيارات، وبدأت نماذج الذكاء الاصطناعي تقدم الإجابات مباشرة للمستخدمين بدلاً من توجيههم إلى المواقع الإخبارية.
ويشير تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن عدداً متزايداً من الناشرين يدرسون تقليص تعاونهم مع “غوغل”، أو حتى حجب محتواه عنهم، مع تصاعد المخاوف من أن تغيّر أدوات الذكاء الاصطناعي طريقة طرح المستخدمين لأسئلتهم، وتستحوذ على جزء من زيارات البحث، وتقوّض نماذج الإيرادات التي يعتمد عليها الناشرون.
Reddit يدرس وقف تزويد “غوغل” بالمحتوى
بحسب التقرير، ناقشت منصة Reddit، التي يعتمد عليها جزء كبير من نتائج بحث “غوغل”، إمكان إيقاف وصول الشركة إلى محتواها لاستخدامه في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفق أشخاص مطلعين على المناقشات.
وكانت Reddit قد وقّعت عام 2024 اتفاقاً مع “غوغل” بقيمة 60 مليون دولار سنوياً، يسمح للشركة باستخدام محتوى المنصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. إلا أن مسؤولي Reddit يعيدون حالياً تقييم جدوى استمرار هذه الشراكة، بعدما أدت الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي إلى تقليل عدد النقرات المتجهة نحو المواقع الخارجية. ويأتي ذلك في وقت تجري فيه الشركتان محادثات بشأن تجديد الاتفاق الذي يقترب من نهايته.
ناشرون يعتبرون الأزمة تهديداً وجودياً
يرى ديفيد باتل، الرئيس التنفيذي لشركة DJB Strategies للاستشارات الإعلامية، أن ما يحدث يمثل “تهديداً وجودياً” لبعض فئات الناشرين، مؤكداً أنهم بدأوا يفكرون في خطوات أكثر جذرية لمواجهة التراجع المستمر في الزيارات.
ويضيف التقرير أن الروبوتات الآلية باتت تمثل أكثر من نصف حركة الإنترنت، وفق بيانات “كلاود فلير” Cloudflare، إذ يستخدم بعض هذه الروبوتات محتوى الناشرين لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تجمع أخرى البيانات للإجابة عن استفسارات المستخدمين أو إعادة بيع المحتوى لشركات أخرى. كما أصبحت محاولات منع هذه الروبوتات أكثر صعوبة مع تطور تقنياتها.
معضلة حجب روبوتات “غوغل”
ويوضح أن الناشرين يستطيعون منع روبوتات “غوغل” من الزحف إلى مواقعهم لأغراض تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنهم إذا أرادوا ظهور محتواهم في نتائج البحث التقليدية أو في نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فعليهم عموماً السماح لروبوتات الشركة بالزحف إلى مواقعهم لكلا الغرضين، ما يجعل الفصل بين الاستخدامين محدوداً في الوقت الحالي.
USA Today يلوّح بحجب “غوغل”
وتدرس شركة USA Today، المالكة للصحيفة الوطنية ومئات الصحف المحلية، منع روبوتات محرك البحث من الوصول إلى محتواها، وهو ما سيحرم الشركة الظهور في ملخصات الذكاء الاصطناعي، وكذلك في نتائج البحث التقليدية.
ووفق بيانات شركة Semrush، انخفضت زيارات البحث العضوي القادمة من مستخدمي الولايات المتحدة إلى الموقع الوطني لـUSA Today بنحو 50% بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة مايك ريد إن الوقت حان “لاتخاذ موقف”، مؤكداً أن الشركة مستعدة لحجب “غوغل” إذا استمر تراجع حركة البحث، مشيراً إلى أنها بدأت فعلاً بالاستعداد لمرحلة لا تعتمد فيها على إيرادات الزيارات القادمة من محرك البحث.
كما تخوض الشركة دعوى قضائية ضد الشركة تتهمها فيها باحتكار سوق تقنيات الإعلانات بما يضر بإيرادات الناشرين.
تراجع واسع في زيارات المواقع الإخبارية
ويكشف أن الزيارات القادمة من محرك البحث للمستخدمين الأميركيين انخفضت خلال المدة نفسها بنسبة:
نحو 23% لموقع Politico.
نحو 25% لموقع CNN.
أكثر من 85% لموقع Business Insider.
في المقابل، تؤكد الشركة أن ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي ترسل “مليارات النقرات إلى الويب أسبوعياً”، وأنها تساعد المستخدمين في الوصول إلى المعلومات مع الاستمرار في إبراز روابط المواقع الإلكترونية، إضافة إلى توفير أدوات تمكّن أصحاب المواقع من إدارة كيفية استخدام محتواهم.
دعاوى قضائية ومناقشات داخل المؤسسات الإعلامية
ويشير إلى أن شركة Penske Media، المالكة لمجلتي Variety وRolling Stone، رفعت دعوى قضائية ضد “غوغل” تتهمها فيها باستخدام تقاريرها داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي بطريقة غير قانونية تؤثر في حركة الزيارات.
وفي الوقت نفسه، ناقش موظفون في Politico إمكان تقييد وصول “غوغل” وروبوتات أخرى إلى المقالات المجانية، عبر فرض تسجيل الدخول قبل قراءة المحتوى.
كما تدرس “رويترز” بدورها إمكان حجب روبوت “غوغل” عن منصتها الإخبارية الموجهة للمستهلكين، في ظل تراجع الزيارات، مع تقييم الموازنة الاقتصادية بين فوائد الظهور في البحث التقليدي وخسائر ملخصات الذكاء الاصطناعي، بحسب رئيس الشركة بول باسكوبيرت.
قرار بريطاني يفتح باب الخيارات
كذلك يشير التقرير إلى أن “غوغل” أعلنت في حزيران/يونيو التزامها قراراً صادراً عن جهة تنظيمية في المملكة المتحدة، يمنح الناشرين حق اختيار المشاركة في ميزات الذكاء الاصطناعي من دون خسارة ظهورهم في نتائج البحث التقليدية.
وقالت الشركة إنها ستختبر هذه الآلية أولاً في بريطانيا قبل توسيعها عالمياً، لكنها لم تحدد جدولاً زمنياً لذلك.
وبحسب التقرير، يناقش فريق “ذي إيكونوميست” منذ صدور القرار البريطاني إمكان الانسحاب من ميزات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع التأكيد أن التخلي الكامل عن الشركة ليس مطروحاً حالياً.
وقال جوش مونكه، نائب رئيس الذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسة، إن “غوغل” ما زالت قوة يصعب تجاهلها، مضيفاً أن الزيارات قد تكون متذبذبة ومتراجعة، لكنها لا تزال تمثل قيمة بالنسبة للناشرين.
“غوغل” تحاول طمأنة الناشرين
وتلفت الصحيفة إلى أن الشركة اتخذت عدداً من الخطوات لاسترضاء المؤسسات الإعلامية، بينها إطلاق برنامج يدفع لأكثر من 200 ناشر في مقابل استخدام محتواهم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إتاحة اختيار مصادر الأخبار المفضلة للمستخدمين بهدف توجيه مزيد من الزيارات إلى المواقع الإخبارية.
People Inc تبحث عن مصادر دخل جديدة
ونجحت People Inc. في تعويض جزء من تراجع الاعتماد على “غوغل” عبر تنمية إيرادات الفعاليات، وزيارات شبكات التواصل الاجتماعي، وتوسيع تطبيقاتها، بعدما تراجعت مساهمة محرك البحث في حركة الزيارات إلى نحو 25% خلال الربع الأول من العام، مقارنة بأكثر من 50% قبل عامين.
وفي الوقت نفسه، تواصل الشركة السماح لـ”غوغل” بالوصول إلى محتواها، لكنها تدرس مستقبل هذه العلاقة، كما تعمل على جعل محتواها أكثر قابلية للفهم بالنسبة إلى الروبوتات المسموح لها بالوصول إليها.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة نيل فوغل Neil Vogel إن خيار إيقاف وصول “غوغل” بالكامل “مطروح على الطاولة بنسبة 100%”.
Time تتعامل مع الروبوتات كجمهور جديد
في المقابل، تتبنى مجلة “تايم” استراتيجية مختلفة، إذ تعمل على إنشاء إعلانات نصية لا يراها القراء العاديون، لكنها قد تعثر عليها روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تجمع المحتوى. وتأمل المجلة أن تستند إليها خدمات مثل Google AI Overviews وروبوتات الدردشة عند الإجابة عن استفسارات المستخدمين، بما يساعد العلامات التجارية على الوصول إلى عملاء محتملين.
وقال مارك هوارد، الرئيس التنفيذي للعمليات في “تايم”، إن المؤسسات الإعلامية أصبحت تتعامل مع جمهورين مختلفين: البشر الذين يزورون المواقع، والروبوتات التي تستهلك المحتوى، مؤكداً أن التحدي يتمثل في تقديم أفضل تجربة للطرفين في آن واحد.
