عودة واشنطن وطهران إلى التفاوض لا تعني وقف الأعمال الإرهابية
يحاول البعض وربما أصدقاء قدماء من الطائفة الشيعية الكريمة “تصيّدي” من خلال البحث عن موقف في “الموقف هذا النهار” أو في مقابلة تلفزيونية. الهدف هو ضرب علاقة الصداقة والثقة التي قامت بيني وبين الشيعة والمسلمين عموماً منذ أيام الدراسة الثانوية ثم الجامعية والتي متّنها انخراطي في عالم الصحافة منذ ما يزيد عن 46 سنة، وتجنّبي في أثناء ممارستها الانتماء إلى غير الدولة والوطن مع احترامي التام لانتمائي الطائفي والمذهبي كما لانتماءات اللبنانيين الآخرين.
أُخذ عليّ في “الموقف هذا النهار” الصادر يوم الاثنين الماضي اتخاذ مواقف حادة ومتشدّدة و”أميركية” من “حزب الله” تضمّنت دعوته إلى انتهاج سياسة وسلوك جديدين. والحقيقة أنني لم افعل ذلك، إذ عرضت تفاصيل موقف باحثة أميركية من أصول عربية من لبنان و”حزب الله” دعته خلالها إلى اتخاذ مواقف مناقضة لاستراتيجيته وانتمائه السياسي والمذهبي، فراح عن بالي ضرورة ذكر المصدر كما هي عادتي منذ عقود. والحقيقة أن أمراً كهذا حصل معي قبل نحو 7 أو 8 سنوات إذ اقتبست عن باحث أميركي مقيم في لبنان أقوالاً لم أنسبها له إلّا في نهاية “الموقف” وعلى نحو جعله يظنّ أنّني “سرقته”. طبعاً اعتذرت منه خطّياً في مقالة اليوم التالي لكن الضرر وقع في علاقتي مع الديبلوماسية الأميركية في بيروت. إلا أن استمراره لم يؤثر على علاقاتي التي بها أفتخر داخل الولايات المتحدة.
ما حصل أمس كان المرة الثانية، ومن يعرفونني في الطائفة الشيعية وخصوصاً أصدقائي منهم سواء داخل “حزب الله” أو “حركة أمل” أو داخل بيئة السيد الراحل محمد حسين فضل الله رفيق العمر، كما داخل الطوائف اللبنانية كلها التي أسمّيها شعوباً، يعرفون صدقي في صداقاتي واحترامي حق الاختلاف مع الاحتفاظ بحقي في اتخاذ الموقف الذي أراه مناسباً لوطني في المرحلة الراهنة. آمل أن لا تنعكس للمرة الثانية هذه على علاقات الصداقة والمحبّة والاحترام مع إخواني الشيعة وسائر اللبنانيين.
حتى لو استأنفت واشنطن المفاوضات فإن طهران ستتابع إرسال “وكلائها” لتنفيذ هجمات وشراء أسلحة وتأسيس جمعيات في القارة الأوروبية. لذا على الحكومات الأوروبيّة الضرب بقوة على هؤلاء. هذا ما يقوله باحث أميركي جدّي في واشنطن.
يضيف: مع انهيار وقف إطلاق النار الأميركي – الإيراني وإعلان الرئيس ترامب ذلك صار المستقبل غير ثابت وخصوصاً لجهة ما سيحصل مستقبلاً. وعندما تعود الولايات المتحدة والإيرانيون إلى التفاوض فإن شيئاً واحداً سيكون واضحاً وهو عدم احتمال موافقة إيران على تقليص دعمها لوكلائها وشركائها الإقليميين ومنهم الميليشيات الشيعية العراقية و”حزب الله” اللبناني و”الحوثيون اليمنيون” و”حماس” الفلسطينية.
طبعاً هذا أمرٌ لن يكون مفاجئاً لأحد لكنه قطعاً لا يبشّر بمستقبل مستقرّ في الشرق الأوسط. وهو أيضاً نذير أخبار سيئة لأوروبا حيث “اللاعبون” المتصلون بإيران كانوا نشطين جداً في الإعداد لتنفيذ عمليات ولجمع المال كما للحصول على أسلحة. على الحكومات الأوروبية أن تتحرّك بقوة وأن تجعل أرضها أكثر عداءً للنشاطات الإرهابية المشار إليها. لذا سيكون مهماً منع المجموعات الإرهابية من إعادة بناء قدراتها المالية والإرهابية والتسليحية.
وتلك مهمة لها أولوية كبيرة وربما مطلقة في طهران. كانت إيران نشطة في الشهور الماضية من خلال أعمال عقابية وتشويهٍ على الأرض الأوروبية. فمنظمة “حركة الشباب” اليميني – الإصلاحية ظهرت في أوائل أيام الحرب وشنّت هجمات على أهداف يهودية في أوروبا. وهي على اتصال بـ”كتائب حزب الله” وهو مجموعة “إرهابية” عراقية على اتصال مباشر بنظام إيران.
وهي تجنّد شباباً مستواهم الإجرامي متدنٍّ من أجل استهداف يهود في بريطانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا وأماكن أخرى. و”قوة القدس” التابعة لـ”الحرس الثوري الإسلامي” في إيران ووزارة الاستخبارات والأمن الإيراني خططوا ونفّذوا مؤامرات إرهابية عدة في السنوات القليلة الماضية في عدد من المناطق والدول.
لـ”حزب الله”، يضيف الباحث الأميركي نفسه، تاريخٌ من النشاط “الإرهابي” ومنه تفجير باص عام 2012 في بلغاريا، علماً بأن عمليات إرهابية أخرى اكتُشفت وتعطّل تنفيذها. أمّا “حماس” فإن دخولها أوروبا جاء متأخراً، ذلك أن حركتها الإرهابية تركّزت في غزة والضفة الغربية الفلسطينية. وبعد قليل من عملية 7 أكتوبر التي نفّذتها “حماس” ضد إسرائيل انطلاقاً من غزة اعتقلت السلطات الألمانية والدنماركية أشخاصاً كانوا يطوّرون مخابئ أسلحة في أوروبا. وفي السنة الأخيرة اتُهم أعضاء في “حماس” بالتخطيط لتنفيذ هجمات في ذكرى عملية 7 أكتوبر.
وفي آخر مؤتمر صحافي حذّر المدّعي العام الألماني من التهديد الجديد مشدداً على أن ألمانيا ودولاً أوروبية أخرى صارت أرض تخطيط وتنفيذ لعمليات إرهابية عدة تقوم بها “حماس”. لقد أصبحت أوروبا مصدراً حقيقياً وحيوياً للتكنولوجيا التي يستعملها عملاء لإيران وفي مقدمهم “حزب الله”.
وفي 2025 عطّلت سلطات أوروبية سعي شبكة يقودها “حزب الله” للحصول على تكنولوجيا متقدّمة لتطوير قدراته في مجال المسيّرات. وكان مجال عملها إسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا. تبيّن من التحقيقات أن الهدف من ذلك ضرب إسرائيل.
لكن الحكومات الأوروبية اتخذت إجراءات محدّدة لمواجهة التهديد الإيراني المتصاعد. في هذا المجال لاحقت حكومات أوروبية عدة قضائياً “حماس” بسبب تمويلها عمليات عدة تذكّر بـ7 أكتوبر. وهذا ما لم تكن تفعله سابقاً وفي السنة نفسها صنّف الاتحاد الأوروبي “الحرس الثوري الإيراني” ذراعاً أساسية لإيران ومسؤولاً عن النشاطات الإرهابية التي تنفّذها شبكة إرهابية عالمية.
وفي المدة الأخيرة انضمّت دول أوروبية عدة إلى الولايات المتحدة في إدانة إيران لتواطئها الإرهابي في العالم. طبعاً هذه خطوات مهمة، يقول الباحث الأميركي نفسه، لكن لا تزال هناك حاجة إلى المزيد منها. فعلى مستوى الاتحاد الأوروبي يحتاج الأوروبيون إلى بناء “نظام عقوبات يستهدف المنظمات الإرهابية، ويعمل على اكتشاف شركات الواجهة الإيرانية والجمعيات الخيرية والمالية ومؤسسات تبديل العملة.
سيكون عليهم أن يقوّوا “اليوروبول” وهو وكالة بوليسية دولية لتنسيق عمليات التحقيق في العمليات الإرهابية العابرة للحدود. أكثر من ذلك، ستحتاج الحكومات الأوروبية إلى مزيد من الإنفاق على الاستخبارات والعقوبات وإجراءات فرض تطبيق القانون، وذلك لتنسيق التحقيقات العابرة للحدود بهذا الشأن. أخيراً ستحتاج الحكومات الأوروبية إلى استعمال أو تنفيذ إجراءات ضد طهران، ومنها طرد ضبّاط الاستخبارات الإيرانية وإقفال المؤسسات الديبلوماسية الإيرانية أيضاً.
وحتى إذا خففت الولايات المتحدة ضغطها الأقصى على إيران فإن على الأوروبيين مقاومة مجاراة واشنطن في ذلك. ولن يكون ذلك سهلاً نظراً إلى خيبة أوروبا من الولايات المتحدة ومن إسرائيل اللتين رفعتا التهديد لإيران إلى درجة الحرب من دون التشاور مع الأوروبيين. بدلاً من ذلك، على هؤلاء مقاربة هذا الموضوع استراتيجياً والاستمرار في العمل على تحميل إيران مسؤولية عملية 7 أكتوبر، وعلى تصعيد استعادة شبكات إيران القوة التي كانت لها. فيكون ذلك المفتاح ليس لاستقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط فقط بل لأمن المواطنين الأوروبيين أيضاً.
