العلوم والتكنولوجيا

الرقائق والذكاء الاصطناعي.. الوجهة الجديدة لصناديق الثروة الخليجية

0 0
Read Time:5 Minute, 31 Second

تحولت بوصلة صناديق الخليج السيادية خلال الآونة الأخيرة نحو قطاع التكنولوجيا وتحديداً الذكاء الاصطناعي والرقائق، كأداة للأمن والتنويع الاقتصادي، حيث لم يعد الوصول إلى أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي مجرد قرار تجاري بين شركة مصنعة ومستثمر طموح، بل بات امتيازاً تحكمه اعتبارات التحالفات والأمن القومي.

وظهر ذلك بوضوح في 10 تموز /يوليو، عندما خففت الولايات المتحدة ضوابط تصدير الرقائق المتقدمة والمعدات العسكرية والأقمار الاصطناعية والتقنيات مزدوجة الاستخدام إلى الإمارات.

أتاحت الخطوة لجهات إماراتية معتمدة، بينها «G42» و«Core42»، ولشركات أميركية تعمل في الإمارات، الحصول على تقنيات متقدمة بإجراءات أكثر مرونة، وفق رويترز. 

يقول هاني صبحي، خبير أسواق المال العالمية، لـ”النهار” إن صناديق الخليج السيادية استشعرت أهمية النفاذ إلى التكنولوجيا، وساعدها على تنفيذ صفقات بالغة الأهمية في الولايات المتحدة مستوى الثقة السياسية التي تحظى بها بين الدول؛ وهذه هي المهمة الجديدة التي تتحرك نحوها صناديق الثروة الخليجية، والتي تتمثل في حماية ثروات الأجيال المقبلة، وفي الوقت نفسه تأمين الرقائق والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد ومكانة الدولة داخل النظام العالمي.

صفقات أقل.. لكن أكبر وأكثر استراتيجية

 

أظهر تقرير صناديق الثروة السيادية 2026 الصادر عن جامعة (IE) الإسبانية أن الصناديق السيادية العالمية تدير أكثر من 15 تريليون دولار، وأنها شاركت في 391 استثماراً مباشراً بين تموز/يوليو 2024 ونهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، بانخفاض يقارب الـ 17% عن فترة المقارنة.

ورغم تراجع عدد الصفقات، قفزت قيمتها الإجمالية 91% لتصل إلى 404 مليارات دولار، واستحوذت استثمارات الذكاء الاصطناعي على نحو ثلث القيمة التي رصدها التقرير. 

وجذبت الولايات المتحدة وحدها 220.4 مليار دولار، ما يعادل 55% من إجمالي قيمة الصفقات، مدفوعة بالطلب على شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق والبنية الرقمية.

أعلام دول مجلس التعاون الخليجي (أ ف ب)

أعلام دول مجلس التعاون الخليجي (أ ف ب)

وقدرت رويترز أن دول الخليج راكمت نحو 5 تريليونات دولار داخل صناديقها السيادية، وهو مخزون مالي يمنحها قدرة نادرة على الجمع بين الاستثمار التجاري وتنفيذ السياسات الاقتصادية للدولة.

أبوظبي تشتري سلسلة الذكاء الاصطناعي

تقدّم الإمارات النموذج الأكثر وضوحاً لتقسيم الأدوار بين الصناديق؛ فجهاز أبوظبي للاستثمار «أديا» لا يزال يعمل وفق النموذج التقليدي لصندوق الادخار، من خلال محفظة عالمية متنوعة تهدف إلى تحقيق عوائد مستقرّة وطويلة الأجل عبر دورات السوق، بحسب استراتيجيته الرسمية.

وتعمل «مبادلة» و«القابضة ADQ» وصندوق (MGX) المتخصص في الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات أكثر ارتباطاً ببناء القطاعات الاستراتيجية. 

وبحسب الاستراتيجية الرسمية لـ(MGX)، فإن الصندوق يستثمر في تمكين سلسلة أشباه الموصلات، بما يشمل التصميم والتصنيع والأتمتة، إلى جانب مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية والنماذج والبرمجيات المتقدّمة.

ويقول صبحي إن هذا يعني أن أبوظبي لا تراهن فقط على الشركة التي قد تطور التطبيق الرابح، بل على الطبقات التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي، مثل الرقائق، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والكهرباء، والائتمان الذي يمول إنشاء تلك الأصول.

ووصفت فوربس هذا التوجّه بأنه انتقال لصناديق الخليج نحو شراء البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والطاقة إلى أدوات التمويل، بدلاً من الاكتفاء بالمراهنة على شركات البرمجيات. 

ويرى خبير أسواق المال أن المكسب الاستراتيجي الأوسع هو الاستثمارات الإماراتية في الشركات الأميركية، ومشاركة (MGX) و(G42) في منظومة الذكاء الاصطناعي الغربية، والذي يتزامن مع منح أبوظبي وصولاً أوسع إلى الرقائق الأميركية.

 

سوق المال الإماراتية (أ ف ب)

سوق المال الإماراتية (أ ف ب)

وذكرت ذا غارديان عند الإعلان عن مشروع مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي – الأميركي أن المنشأة تستهدف أن تصبح الأكبر خارج الولايات المتحدة، في إشارة إلى طموح الإمارات نحو الريادة في الذكاء الاصطناعي.

السعودية تعيد الأموال إلى الداخل

 

يقول صبحي إنه إذا كان نموذج أبوظبي يقوم على النفاذ إلى التكنولوجيا العالمية، فإن السعودية تدفع صندوق الاستثمارات العامة بصورة أكبر إلى بناء الاقتصاد المحلي.

وقال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان في نيسان/أبريل إن استراتيجية 2026–2030 تستهدف توجيه 80% من الاستثمارات إلى الداخل، و20% إلى الخارج، مقارنة بحصة دولية بلغت في السابق نحو 30%. 

سيركز الصندوق، الذي قُدّرت أصوله تحت الإدارة بنحو 925 مليار دولار عند إعلان الخطة، على السياحة والترفيه، والتطوير الحضري، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، ومشروعات «نيوم»، وفق ما نقلته رويترز.

ويجسد إطلاق شركة «هيوماين» التابعة للصندوق في أيار (مايو) 2025 هذا التحول. ووفق البيانات الرسمية لصندوق الاستثمارات العامة، تعمل الشركة عبر كامل سلسلة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مراكز البيانات والبنية السحابية، وصولاً إلى النماذج والتطبيقات، مع تطوير نموذج لغوي عربي متعدد الوسائط.

ولا يقتصر الأمن الاقتصادي السعودي على الرقائق؛ ففي أيار/مايو رفعت شركة «سالك»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، حصتها في «أولام أغري» إلى 80.01% من خلال صفقة قيمتها 1.88 مليار دولار. 

وقال الصندوق إن الاستثمار يعزّز وجود السعودية في سلاسل توريد الأغذية والزراعة العالمية، بما يكشف أن شراء شركات الحبوب والسلع الزراعية أصبح جزءاً من مفهوم الأمن القومي، تماماً مثل مراكز البيانات والطاقة.

 

صندوق الاستثمارات العامة السعودي

صندوق الاستثمارات العامة السعودي

وأظهرت النتائج المالية أن صافي ربح صندوق الاستثمارات العامة السعودي تجاوز الضعف خلال 2025 ليصل إلى 65.1 مليار ريال، أو نحو 17.3 مليار دولار، فيما ارتفعت الإيرادات 9% إلى قرابة 450 مليار ريال. وتظهر الأرقام أن الصندوق قادر على تحقيق أرباح كبيرة، لكنها لا تحسم وحدها جودة كل مشروع أو تكلفة الفرصة البديلة لرأس المال المستثمر.

ويرى خبير أسواق المال أن الاستراتيجية السعودية الجديدة تمثل إعادة ترتيب للأولويات بعد عقد من الإنفاق المكثف، مع تركيز أكبر على كفاءة استخدام رأس المال والإيرادات، دون انسحاب كامل من الصفقات العالمية.

قطر تستخدم رأس المال لجذب المعرفة

تتبنى قطر نموذجاً ثالثاً يمزج بين الاستثمار الخارجي واستيراد المؤسسات والخبرات إلى الدوحة.

ويؤكد جهاز قطر للاستثمار في استراتيجيته الرسمية أنه يتعامل مع الشركات بوصفه «مستثمراً مالياً»، ويركز على تحقيق عوائد مستدامة معدلة بالمخاطر. لكن عدداً متزايداً من اتفاقاته أصبح يتضمن أهدافاً تتجاوز الربح المباشر.

وفي كانون الأول (ديسمبر) 2025، أبرمت شركة (Qai) التابعة للجهاز شراكة مع «بروكفيلد» لإنشاء مشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. 

وتشمل الخطة مركزاً متكاملاً للحوسبة وتطوير المهارات وسلسلة الإمداد المحلية، بهدف تحويل قطر إلى مركز إقليمي لخدمات الذكاء الاصطناعي.

وفي كانون الثاني/يناير، أعلن جهاز قطر للاستثمار استهداف تخصيص إجمالي قدره 25 مليار دولار لصناديق تديرها «غولدمان ساكس» وفرص استثمار مشترك، لكن المقابل لا يقتصر على تدفق الصفقات، إذ تعهد البنك بتوسيع عدد موظفيه في الدوحة وتحويل مكتبه إلى مركز إقليمي لإدارة الأصول، مع نقل المعرفة وتطوير الخبرات والمساهمة في جذب الاستثمار الأجنبي.

ويقول صبحي إنه بهذا الأسلوب، لا تشتري قطر أصلاً مالياً فحسب، بل تستخدم التزامها الاستثماري لجذب مؤسسة عالمية وموظفين وخبرات واتصالات إلى السوق المحلية، ليصبح العائد مزيجاً من الأرباح، والوظائف، وتطوير القطاع المالي، وتحسين موقع الدوحة داخل شبكات رأس المال العالمية.

العائد المالي لم يعد المقياس الوحيد

يقول خبير أسواق المال إن النماذج الإماراتية والسعودية والقطرية تكشف أن مفهوم العائد لدى الصناديق الخليجية يتوسع؛ فإلى جانب الربح النقدي، أصبحت الدول تبحث عن طاقة حوسبية، ومصانع، وتوطين المعرفة، وأمن غذائي، ووظائف، ومقارّ إقليمية، ونفوذ داخل العواصم والشركات العالمية.

وتقول فاينانشال تايمز إن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 150 مليار دولار إلى اقتصادات الخليج، بالرغم من أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة نقص الكفاءات، وتطوير التعليم والتشريعات، وإدارة استهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *