قبل التشييع وبعده: إيران وعقدة الانتقام
يُراد لتشييع المرشد الإيراني الراحل أن يكون عنواناً لعودة إيران “قوية” من رحلة التيه بين حربَين كشفتاها وأضعفتاها عسكرياً، وعقوبات أنهكت اقتصادها ولا تزال، ومغامرات مستمرّة في تأجيج انعدام ثقة مع الأطراف الإقليمية كافة. نادراً ما تحجم الدول عن أداء واجباتها في ديبلوماسية العزاء، خصوصاً حينما تتلقّى دعوات من طهران، أما الدول الغربية فلم ترسل ممثلين لها لأن إيران صنّفتها غير مرغوبٍ فيها. كيف ستكون الحال بعد التشييع، وهل تخرج إيران من العزلة التي كانت تعيش فيها قبل الحرب، وأي تغيير يمكن أن يطرأ على سلوك النظام؟ أسئلة كثيرة مطروحة، وقد حرصت إيران من خلال التشييع على إبراز المكانة الرفيعة التي كان يحتلها المرشد علي خامنئي، وعلى تأكيد استمرارية نظامها، وعلى دوام نفوذها المتمدّد عبر “الأذرع” و”الوكلاء”.
دعوات الانتقام
على هامش المأتم صدرت دعوات شعبية إلى “الانتقام”، وهي لم تأتِ من فراغ، فالمرشد الجديد مجتبى خامنئي كان أول من توعّد بالانتقام لوالده الذي قضى في اللحظات الأولى للحرب. كانت الخطة إسرائيلية بدعم أميركي، وكان الدافع تحقيق حسمٍ عاجلٍ وفوري لأهداف الحرب، لكن النظام لم يسقط بل أسقط جدوى نمط الاغتيالات الذي يمارسه الإسرائيليون كما يتنفّسون، بل أنه أسقط الحرب نفسها فاضطر الرئيس الأميركي للتفاوض كي ينهيها، ولما يفلحْ بعد. ثم تكررت الدعوة إلى الانتقام بصيغ عدة، أبرزها لقائد الجيش الإيراني أمير حاتمي (“سنثأر لمقتل خامنئي”) ولرئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (“الثأر لخامنئي بالمشاركة الواسعة في تشييعه”)، أما في الشارع فكانت أكثر وضوحاً (الحثّ على “اغتيال دونالد ترامب”) وفيها إعادة لهتافات صدرت غداة اغتيال قاسم سليماني… وسيبقى هذا الوعيد أداة لشحن النفوس، بمعزلٍ عن مفاعيله وإمكانات تنفيذه.
في غياب المرشد مجتبى (قد يظهر يوم ختام التشييع في مشهد)، اصطف أركان النظام الحالي (رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، رئيس السلطة القضائية ووزير الخارجية) لاستقبال المعزّين الكبار من الخارج على وقع آيات قرآنية لا تخلو من رسائل سياسية. أرادت هذه المشهدية، مع الحشود المليونية، إعطاء الانطباع أن النظام متماسك وموحّد في اظهار الولاء، أي من قبيل “مات المرشد عاش المرشد”. والمؤكد أن ثمة وحدة موقف فرضت نفسها عندما كانت الكلمة للميدان خلال الحرب، حتى عند فئات معارضة في الداخل والخارج، لكن هذا الموقف بدأ يستعيد تنوّعه مع البحث في ما بعد الحرب، وما بعد التشييع، وكذلك في استجلاء مضامين المفاوضات مع الولايات المتحدة.
التزم المفاوضون الإيرانيون الإطار الذي حدّده المرشد، ولم تولد “مذكرة التفاهم” ويوقّعها الرئيس مسعود بزشكيان إلا بـ”إذنٍ” من المرشد، لكن الأخير قال إن لديه “وجهة نظر مختلفة” بالنسبة إلى “المذكرة”، ومع ذلك أجاز توقيعها لأن “الرئيس ومسؤولين آخرين أكّدوا أنهم يتحمّلون مسؤولية حماية حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة”. وبعد تظاهرة هاجمت “المذكرة” في قمّ وذُكر أن “الحرس الثوري” وراءها، وخطب جمعة ناقدة لها، وهتافات في مجالس العزاء ضد المفاوضات ومخرجاتها، أشار بزشكيان إلى “وجود تيارات تحاول تشويه صورة المفاوضين”. ومع أن الرأي السائد هو أن “الحرس” مصدر الاعتراض على المذكرة، إلا أن مصطلح “تيارات” يعني أن هناك أجنحة آخذة في التبلور ويختبر بعضها بعضاً، وبالتالي فإن هناك صراع نفوذ حتى داخل “الحرس” والنظام.
سجال داخلي
تفيد مصادر عدة بأن جلّ ما أراده “الحرس” من المفاوضين أن يعملوا على “إنهاء الحرب” و”تكريس السيادة (التي يمارسها فعلياً) على مضيق هرمز”. لكن نصوص “مذكرة التفاهم” تحوّلت أداة في صراع الأجنحة، فانزلقت الانتقادات إلى اتهامات بـ”الخيانة” و”عصيان المرشد” وغيرها، وإلى مزايدات ترفض مبدأ التفاوض نفسه على أساس أنه لا يجوز “عقد تفاهم مع قاتل الإمام الشهيد”. ولأن “المذكرة” ليست اتفاقاً ولا بدّ من التفاوض على تفاصيلها، فإن النقاش حولها يقلّل من شأنها ويُغرقها في تناقضات، فمن جهة وصفها معارضون بأنها “كأس سم جديدة”، ومن جهة أخرى تغنّى الخطاب الرسمي بـ”الانتصار” الذي حققته، أو تفاخر بما لبّته من توقعات إيران ومطالبها.
بناء على نقطة “الاختلاف” التي أثارها مجتبى خامنئي، يقع على عاتق المفاوضين الإيرانيين (“العقلانيين” بحسب توصيف ترامب) العمل على تحصيل المكاسب الايرانية كما تمكنوا من صوغها في “مذكرة التفاهم”. لكن الجانب الآخر، الأميركي، لا يقدم تنازلات مجانية، فحتى إجراءات رفع العقوبات عن تصدير النفط أو الافراج عن الأموال المجمدة لن تكتمل إلا بعد إحراز تقدم نحو اتفاق نووي جديد. أما مسألتا التحكّم بمضيق هرمز وإنهاء الحرب في لبنان فلا تريد واشنطن أو لا تستطيع حسمهما وفقاً لتمنيات طهران. في الانتظار لن يتوقف السجال الإيراني الداخلي، بل أنه مرشح لأن يعنف ويتعقد كلما اقترب بتّ مصير البرنامج النووي، وإذا كان هناك تغيير طرأ فعلاً على النظام فإنه لن يظهر إلا بعد الاتفاق النهائي.
