“الفصول الأربعة” وحكاية راقصة باليه رفضت أن يكون العمر فصلها الأخير
لم أذهب إلى مسرح “تورنسول” في بدارو ببيروت لأشاهد عرض باليه فحسب. حملت معي سبباً شخصياً لا يعرفه أحد. في داخلي طفلة لم تولد بعد، وكنت أريد أن أمنحها موعدها الأول مع أنطونيو فيفالدي.
لطالما سمعتُ أن موسيقى “الفصول الأربعة” تهدّئ الأجنّة، وأن الألحان الكلاسيكية قد تصل إليهم قبل أن يروا النور. لا أعرف إن كان العلم قد حسم ذلك تماماً، لكنني كنت مقتنعة بأن الموسيقى الجميلة لا يمكن إلا أن تترك أثراً جميلاً، سواء في طفل لم يولد بعد، أو في قلب شخص أنهكته الحياة.

حين بدأت الموسيقى… بدأت الحكاية
أُطفئت الأنوار، وانطلقت نغمات الكمان الأولى. على الخشبة، وقفت ناي معوّض تتقدّم ست راقصات، في لوحة راقصة من إخراج جورج أنجيلوس (شغل منصب الراقص الأول في أوبرا بوخارست الرومانية) وباتريسيا مانتورا (المعتمدة من الأكاديمية الملكية للرقص في لندن). كانت الأجساد تتحاور مع الموسيقى، تقترب منها حيناً، وتتمرّد عليها حيناً آخر، فيما كانت كل راقصة تمنح الأخرى مساحة لتكتمل الصورة.
في الربيع، كانت الحركات خفيفة كأنها ولادة جديدة. وفي الصيف، ازداد الإيقاع قوّة حتى بدا أن الأجساد تطارد الموسيقى. أما الخريف، فحمل شيئاً من التأمل، قبل أن يأتي الشتاء، الفصل الأكثر كثافة، حيث امتزجت القوة بالهشاشة، وكأن الراقصات لا يقدّمن عرضاً، بل يروين أعمارهن.
جسد يكتب ما لا تقوله السنوات
وسط هذا الانسجام، كانت ناي تحكي قصة مختلفة. ليست قصة راقصة تؤدي دور البطولة، بل قصة امرأة رفضت أن تسمح للحياة بأن تسرق حلمها.
بدأت الباليه طفلة في لبنان، قبل أن تنتقل إلى نيويورك لمتابعة دراستها في مجال الرقص، ثم عادت إلى وطنها لتكمل مشوارها مع مصمم الرقص جورج أنجيلوس. وبين البدايات واليوم، لم يكن الطريق مستقيماً. جاءت الأمومة، وكبرت المسؤوليات، وتغيّر الجسد، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: الشغف.
تقول ناي في حديث لـ”النهار”: “بعد كل هذا المشوار لدي ثلاثة أولاد، وأنا في الأربعين من عمري. كان ذلك تحدّياً كبيراً، أن تبقى ترقص على المسرح في هذا العمر وبعد ثلاثة أطفال، لأن الأولاد يأخذون كل وقتك… لكن الرقص هو أهم شيء في حياتي، لذلك أكملت.”
راقبتُها خلال العرض. كانت تتحرك بخفّة يصعب تصديق أنها ثمرة آلاف ساعات التدريب. بدا الجسد وكأنه لا يعرف التعب، لكن الحقيقة مختلفة تماماً. تبتسم وهي تعترف: “أحياناً أكون متعبة جداً قبل أن أصعد إلى المسرح، ولكن عندما أكون عليه، كالسحر، أنسى كل شيء، وتصبح ثقتي بنفسي قوية.”

لفتني أنها كانت تعود مراراً إلى الحديث عن عمرها، وكأنها تريد أن تصالح الجمهور مع رقم الأربعين. تقول: “اليوم الأربعون أصبحت كأنّها الثلاثون، وليست كما كانت في السابق. اعتدنا أن الأربعين تعني أن الرياضي أو الراقص يتوقف، لكن هذا ليس ضرورياً. طالما أن جسمك قوي وتتمرن، تستطيع أن تكمل.”
ولعل أكثر ما أثّر فيّ أنها لم تتحدث عن الباليه بوصفه مهنة، بل بوصفه جزءاً من هويتها. حتى خلال حملها، لم تتخلَّ عنه. تروي بابتسامة أنها رقصت على خشبة المسرح وهي حامل، لأن الابتعاد عن الرقص كان بالنسبة إليها أصعب من الاستمرار فيه.
حلم يتجاوز الخشبة
غير أن حلم ناي لا يتوقف عند خشبة المسرح أو عند مسيرتها الشخصية. فهي ترى في كل عرض فرصة لتوسيع دائرة هذا الفن في لبنان. تقول: “أؤمن كثيراً بهذه المهنة، وأتمنى أن يحظى الباليه في لبنان بمكانته الحقيقية. أريد أن أرى الناس يأتون لمشاهدة الراقصين اللبنانيين كما يحدث في الخارج، وأن يصبح لدينا موسم دائم للباليه”.

أما اختيار موسيقى فيفالدي، فتوضح أن الفكرة جاءت من مصمم الرقص أنجيلوس، لكنها أسعدتها منذ اللحظة الأولى. تقول: “فيفالدي يحبه الناس، وموسيقاه معروفة، وفيها تنوع كبير… لكنها في الوقت نفسه صعبة جداً للرقص”. ثم تضيف بابتسامة: “أحببت فصل الشتاء أكثر من غيره، والكوريغرافيا فيه كانت قوية وصعبة، لذلك أعطيت كل ما لدي.”

خرجتُ من المسرح وأنا لا أعرف إن كانت طفلتي قد حفظت شيئاً من موسيقى فيفالدي، لكنني أعرف أنها تحرّكت بنشاط عند فقرة فصل الشتاء! وأعلم أنني سأحكي لها يوماً عن امرأة وقفت على رؤوس أصابعها لتثبت أن الشغف لا يعترف بالعمر، وأن الأمومة لا تُسدل الستارة على الأحلام… بل قد تمنحها معنى أعمق.
