العلوم والتكنولوجيا

هرمز بعد الحرب: حتى لا يبقى الخليج رهينة ابتزاز إيران ومصالح أميركا!

0 0
Read Time:4 Minute, 56 Second

تكمن معضلة مضيق هرمز في أنه ممرّ ضيق تحوّل أخيراً إلى زرّ سياسي، تضغط إيران عليه حين تريد رفع كلفة العقوبات، فتسعى الولايات المتحدة لإظهار قوتها المضادة، وتبقى دول الخليج بين نارين: اعتداء إيراني محتمل من جهة، ومزاجية مصالح أميركية في إدارة الأزمات من جهة أخرى.

اليوم، بعد انتهاء الحرب الأميركية – الإيرانية، لا يكفي أن نقول إن المضيق فُتح، وإن الناقلات عادت إلى العبور. فالكل يسأل: كيف نمنع تكرار الأزمة، ونحفظ حق الدول الخليجية في تصدير نفطها وغازها من دون ابتزاز؟ وكيف نضمن ألا يتحوّل أمننا الاقتصادي إلى قرار بيد الحرس الثوري في طهران، أو بيد إدارة أميركية تبدل آراءها بين لحظة وأخرى؟

المبدأ الأول بسيط: هرمز ليس ملكاً لإيران. صحيح أن إيران تطل على ضفته الشمالية، وصحيح أن عُمان تطل على ضفته الجنوبية عبر مسندم، لكن المضيق ممر دولي، وهذا يعني أن السفن لا تمر فيه كضيوف عند طهران، ولا كقوافل تحت رحمة واشنطن. فالمرور في المضائق المشابهة حق تنظمه قواعد القانون الدولي، لا منّة تمنحها دولة حين تشاء وتسحبها حين تغضب. من هنا، أفضل حلّ لا يكون بعسكرة المضيق أكثر، ولا بتركه لاتفاق ثنائي بين إيران وعُمان بغشراف أميركي، بل بإخراجه من لعبة الابتزاز السياسي. المطلوب هو نظام إدارة جماعي للمضيق، تقوده الدول المشاطئة والمتضررة مباشرة، وتراقبه مؤسسات دولية، وتدعمه القوى الكبرى.

 

3 سيناريوات

السيناريو الأول، وهو الأسوأ، أن تُمنح إيران دوراً شبه احتكاري في تنظيم المرور أو فرض رسوم أو أذونات عبور بحجة “الأمن” أو “الخدمات البحرية”. هذا ليس حلاً، إنما هو مأسسة للابتزاز. عندها لا تكون إيران قادرة على التهديد بإغلاق المضيق وحده، بل تصبح قادرة على تعطيله ببطء: مرة بالتأخير، ومرة بالتفتيش، ومرة برفع كلفة التأمين، ومرة بفرض شروط سياسية على السفن والشركات.

السيناريو الثاني هو أن تتولى الولايات المتحدة وحدها حماية الملاحة. هذا قد يطمئن الأسواق أياماً أو أسابيع، لكنه لا يحلّ المشكلة، بل قد يجعل المضيق ساحة اختبار يومية بين واشنطن وطهران، كما يبقي الخليج أسير سؤال مزعج: ماذا لو غيّرت أميركا أولوياتها؟ ماذا لو ساومت؟ ماذا لو انسحبت فجأة أو صعّدت فجأة؟ الأمن الحقيقي لا يبنى على قوة حليف واحد مهما كان كبيراً.

 

قطعة بحرية تبحر في مضيق هرمز، 1 مارس 2026. (فرانس برس)

قطعة بحرية تبحر في مضيق هرمز، 1 مارس 2026. (فرانس برس)

 

السيناريو الأفضل هو الثالث: إطار خليجي – عُماني – دولي لإدارة هرمز. فكرته أن تتحول الملاحة من ملف سياسي إلى ملف تقني دائم: تأسيس غرفة تنسيق بحرية في منطقة محايدة، تضم عُمان والإمارات وإيران، ومعها السعودية وقطر والكويت والبحرين والعراق بصفتها دولاً تعتمد على الخليج ومخرجاته، وبمراقبة من المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة، وبحضور للدول المستوردة الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي.

مهمة هذا الإطار ليست أن يمنح إيران حقاً جديداً، بل أن يقيّد الجميع بقواعد واضحة: لا إغلاق للمضيق. لا رسوم سياسية. لا إذن مسبقاً للمرور العادي. لا استخدام للزوارق أو المسيّرات البحرية أو الألغام كوسيلة ضغط. في المقابل، يمكن تنظيم خدمات فنية مشروعة: الإرشاد الملاحي، الإنقاذ، مكافحة التلوث، تبادل المعلومات، مراقبة الحوادث، وإزالة الألغام عند الحاجة. الفرق كبير بين رسوم شفافة على خدمة حقيقية، وبين خوة سياسية باسم السيادة.

ميثاق مسقط لهرمز

أما دور الدول المشاطئة فيجب أن يتجاوز البيانات: عُمان تملك مفتاحاً جغرافياً وسياسياً مهماً. جغرافياً، تقع على الضفة التي تمنح المضيق توازنه؛ وسياسياً، تستطيع أن تتحدث مع إيران من دون استفزازها، ومع الخليج من دون التخلي عنه، ومع أميركا من دون الارتهان لها. لذلك، على دور مسقط أن يكون ضامناً هادئاً، لا دور وسيط يغطي صفقة ناقصة. على عُمان أن تدفع نحو “ميثاق مسقط لهرمز”، في تعهد مكتوب بحرية الملاحة، احترام السيادة، منع عسكرة المرور التجاري، وربط أي ترتيبات جديدة بالقانون الدولي لا برغبة إيران.

تملك الإمارات، من جهتها، منفذاً حيوياً خارج المضيق عبر الفجيرة، وهذا يمنحها دوراً خاصاً في بناء بدائل لوجستية. لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل المعضلة، لأن جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة الخليجية يبقى مرتبطاً بهرمز. السعودية تملك خطاً شرقياً – غربياً نحو البحر الأحمر، وهذا عنصر قوة، لكنه ليس بديلاً كاملاً لكل الخليج، خصوصاً للغاز القطري. قطر هي الأكثر حساسية بسبب اعتماد صادرات الغاز المسال على المرور الآمن. الكويت والعراق والبحرين، وإن لم تكن كلها على حافة المضيق مباشرة، فهي داخل معادلته الاقتصادية والأمنية. لهذا، يجب أن يكون الحل الدفاعي خليجياً، لا أميركياً فقط. المطلوب قوة مراقبة بحرية خليجية مشتركة: رادارات، مسيّرات استطلاع، سفن خفر سواحل، فرق إزالة ألغام، مركز إنذار مبكر، وقنوات اتصال مباشرة بين العواصم. لا يعني ذلك الاستغناء عن الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو الهند، بل يعني أن يكون دور الشركاء داعماً، لا بديلاً من القرار الخليجي. فالدول التي تدفع كلفة الإغلاق يجب أن تملك جزءاً أكبر من قرار الحماية.

خارج إرادة إيران

في الوقت نفسه، لا يمكن حماية الخليج من الابتزاز من دون تقليل الاعتماد على المضيق نفسه. كل برميل أو شحنة غاز تستطيع الخروج من طريق بديل هي ورقة ضغط تُسحب من يد إيران. لذلك، يجب تسريع خطوط الأنابيب إلى الفجيرة والبحر الأحمر، وتوسيع قدرات التخزين في عُمان والإمارات والسعودية، ودراسة ممرات تصدير طويلة الأمد عبر بحر العرب. هذه مشاريع مكلفة، لكنها أرخص من يوم واحد من ذعر الأسواق حين يلوّح طرف بإغلاق هرمز.

أما إيران، فيجب أن تواجه معادلة واضحة: التعاون يفتح لها باباً اقتصادياً مشروعاً، والتعطيل يفتح عليها كلفة تلقائية. لا يكفي التهديد برد عسكري بعد كل حادث، بل يجب أن تكون هناك عواقب قانونية ومالية مسبقة: تعويضات، دعاوى بحرية، عقوبات على الجهات المنفذة، ورفض دولي لأي رسوم أو أذونات غير قانونية. في المقابل، إذا التزمت إيران بحرية الملاحة، يمكن إدماجها في نظام خدمات فنية لا يمس بالحق في المرور. هكذا لا تُهان إيران، لكنها أيضاً لا تُكافأ على ابتزازها.

أفضل حلّ لمضيق هرمز ليس أن يحكمه الأميركيون، ولا أن يبتلعه الإيرانيون، ولا أن تُترك عُمان وحدها بينهما. أفضل حلّ أن يصبح المضيق ممراً عادياً قدر الإمكان: مفتوحاً بالقانون، مراقباً إقليمياً، محمياً جماعياً، ومدعوماً دولياً. فهدف الخليج بعد الحرب ليس الانتصار في معركة بحرية، بل منع البحر نفسه من أن يتحول كل مرة إلى سلاح. فحين يصبح إغلاق هرمز مكلفاً لإيران، وغير ضروري لأميركا، وغير قاتل لدول الخليج، عندها فقط تنتهي المعضلة. أما قبل ذلك، فكل وقف نار سيبقى استراحة قصيرة بين حربين.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *