اقتصاد

هل يدفع استبعاد مصر من تحالف للغاز بالمتوسط يضم الاحتلال للتوجه نحو تركيا؟

0 0
Read Time:8 Minute, 16 Second

أثار تأسيس الاحتلال، واليونان، وقبرص، وأمريكا، “مركز شرق البحر المتوسط ‏للطاقة”، التساؤلات حول أسباب استبعاد مصر من هذا التحالف، خاصة وأن ‏القاهرة عقدت شراكات واسعة طوال 12 عاما مع قبرص اليونانية وأثينا والاحتلال، وشاركتهم ‏تدشين “منتدى غاز شرق المتوسط”، وتبادل رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ‏الزيارات مع قادتها.

وناقشت الأطراف الأربعة قضايا أمن الطاقة في منطقة شرق المتوسط، وموارد الغاز، ‏وستبدأ اجتماعات إعداد خريطة طريق تحدد أهداف وإجراءات أمن الطاقة، وتطوير ‏الغاز الطبيعي.‏

ويأتي ذلك التحالف بالرغم من تدشين الدول الأربعة مع إيطاليا، والأردن، وفلسطين في ‏كانون الثاني/يناير 2019، منتدى غاز شرق المتوسط بالعاصمة المصرية القاهرة، ‏وبهدف إنشاء سوق إقليمي للغاز، وتطوير بنية تحتية مشتركة لتسهيل نقل وتصدير ‏الغاز.‏

اظهار أخبار متعلقة

كما يأتي التحالف الجيد بعد شهرين من اتفاق مصري قبرصي يوناني في نيسان/أبريل الماضي، ‏لتوريد 100 مليار متر مكعب من الغاز للقاهرة من حقل “أفروديت” بالبحر المتوسط ‏بقيمة 10 مليارات دولار ولمدة 15 عاما، وإنشاء خط أنابيب بحري بطول (280-300 ‏كم) لنقل الغاز لمصر بتكلفة ملياري دولار.‏

ولذلك فإن الاتفاق الجديد، الذي شهدته هيوستن الأمريكية، ويمثل تطورا سياسيا ‏وجيوستراتيجيا بحسب حكومة قبرص، أثار التساؤلات حول سر استبعاد مصر من تحالف للغاز مع أمريكا، وبشأن خطأ رهانات القاهرة ‏السابقة على قبرص اليونامية وأثينا وتل أبيب بملف الغاز، واحتمالات أن يوحد هذا الاستبعاد ‏موقف مصر وتركيا بملف غاز شرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية.‏

وفي قراءته لأسباب استبعاد اليونان وقبرص والاحتلال لمصر من تحالف للغاز مع ‏أمريكا، قال الخبير في شؤون الطاقة الدكتور محمد فؤاد: “يمكن النظر إلى الموضوع ‏بهدوء يعيد عن الانطباعات الأولى؛ فحتى الآن لا أرى أن ما حدث يمثل تحول ‏استراتيجي كامل ضد مصر بقدر ما يعكس تغير في أولويات الأطراف المختلفة داخل ‏شرق المتوسط”.‏

وأضاف لـ”عربي21″: “أولًا، يجب التمييز بين منتدى غاز شرق المتوسط الذي شاركت ‏فيه مصر منذ تأسيسه، وبين أي ترتيبات أو مراكز جديدة ذات طابع سياسي أو تقني ‏أو أمني، فاستبعاد دولة من إطار معين لا يعني بالضرورة استبعادها من مجمل معادلة ‏الطاقة في المنطقة”.‏

وثانيا وفي تقديره لا يرى فؤاد، أن “هناك خطأ في التحالف السابق، ففي وقت اتخاذ ‏تلك القرارات كانت مصر تحقق اكتفاء ذاتي من الغاز وتمتلك محطتي الإسالة ‏الوحيدتين تقريبًا في شرق المتوسط، وكانت فكرة التحالف الثلاثي منطقية اقتصاديا، ‏والمشكلة لم تكن في التحالف نفسه، وإنما في أن افتراضات السوق والإنتاج تغيرت مع ‏تراجع إنتاج الغاز المصري وارتفاع الاستهلاك المحلي”.‏

ويعتقد أن “النقطة الحاكمة، أن ما حدث لا يعني خروج مصر من معادلة شرق ‏المتوسط، لكنه يوجه رسالة مهمة أن النفوذ في أسواق الطاقة لا تبنى فقط على الموقع ‏الجغرافي أو التحالفات السياسية، بل تعتمد في النهاية على القدرة الإنتاجية الفعلية. ‏فإما أن تكون منتج أو أن تكون مستهلك”.‏

وخلص للقول: “لذلك فكرة (سوق طاقة) تحتاج إعادة صياغة وتعريف في المسار ‏المصري لأنها تعني بالأساس وجود فوائض، وهذا حتى حينه غير متحقق”.‏

تنافس وخلاف مصالح

وفي تعليقه، قال الأكاديمي المصري الدكتور محمد الزواوي: “هناك تنافس على من ‏يحصل على صفة المركز الإقليمي للطاقة بشرق المتوسط، ومصر كانت تريد عقد تلك ‏الشراكة مع إسرائيل وقبرص واليونان برعاية أمريكية لتصبح مركزا للطاقة بالحصول ‏على غاز تلك الدول وتسييله بمحطتي (إدكو ودمياط)، وتصبح معبر الطاقة إلى أوروبا”.‏

خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية، والمحاضر بجامعة “سكاريا”، ‏التركية، أضاف لـ”عربي21”: “لكنهم الآن يريدون عمل مشروع آخر وهو خط (أنابيب ‏شرق المتوسط) يأتي من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى إيطاليا ومنها لباقي أوروبا؛ ‏فأصبح هناك تضارب مصالح بين الجانبين، ومصر تم استثناءها لهذا السبب”.‏

وبين أنه “إذا دخلت ذلك المشروع فستدفع حصة كبيرة دون عائدات مقارنة بالوضع ‏الأول، الذي كانت ستصبح فيه مركزا لتسييل الغاز بشرق المتوسط، لكن لم يتفق ‏الطرفان المصري من جهة، والإسرائيلي واليوناني والقبرصي من جهة أخرى، أن تكون ‏القاهرة المعبر لأوروبا قبل تسييل الغاز بمصنعيها وتصديره بشاحنات كبيرة لأوروبا”.‏

ولفت إلى أن “أمريكا في النهاية كانت معترضة على مشروع خط أنابيب شرق المتوسط ‏لكن الآن يبدو أن الأمور تغيرت في عهد دونالد ترامب، الذي يفعل كل ما تقرره ‏إسرائيل، ومن ثم فهذا يفسر استبعاد مصر من هذه الترتيبات”.‏

تقارب مع تركيا صدام مع الاحتلال

وعن وضع ذلك المشروع مصر وتركيا في جانب واحد، قال الزواوي: “بالطبع يوحدهما؛ ‏ولكن المشكلة أن مصر دخلت تحالفات لإعادة ترسيم الحدود البحرية وإذا دخلت في ‏تحالف وترسيم مع تركيا ربما تفقد بعض حصصها، خاصة وأن تركيا تريد رسم ‏خطوط الغاز بطريقة مختلفة، ومن ثم فإذا تحالفتا في إعادة رسم المنطقة والمناطق ‏الاقتصادية الخالصة ربما يخصم هذا من حصة مصر”.‏

وأشار إلى أن “القاهرة اتفقت وبرعاية أمريكية منذ ثمانيات القرن الماضي، على تقسم ‏الآبار بطريقة ما، بحيث تحصل كل دولة على حصة، ومصر في النهاية ظُلمت من هذا ‏التقسيم؛ ولكن هذا هو الوضع، فلو تحالفت مع تركيا سوف يعاد تقسيم الآبار ‏البحرية كلها، وهذا قد يؤدي إلى صدام مع أمريكا الراعية لعمليات التقسيم والتوزيع”.‏

ولذلك  يعتقد الزواوي، أن “تحالف تركيا ومصر لإعادة التقسيم والتوزيع سيكون ‏صعبا للغاية، وسوف يكون أمرا صداميا مع أمريكا وإسرائيل، وأعتقد أن هذا ما لا ‏تريده مصر التي تريد أن تظل حصتها كما هي، وأن تظل عمليات الاستخراج قائمة، لأن ‏مصر لو دخلت في صدام كذلك مع الغرب ربما تعزف الشركات الغربية عن الدخول في ‏مناقصات مصرية للتنقيب واستخراج الغاز، ومن ثم أعتقد أن إعادة ترسيم الحدود ‏البحرية بين مصر وتركيا ستكون صعبة لحد بعيد”.‏

انتقام

وفي قراءته للمشهد، قال الكاتب الصحفي التركي حمزة تكين: “التحالف الجديد حول ‏ثروات شرقي المتوسط يستبعد طرفين رئيسيين أساسيين بالمنطقة: (تركيا ومصر)؛ ‏وهي محاولة إسرائيلية بالدرجة الأولى، يونانية بالدرجة الثانية، لسلب أنقرة والقاهرة ‏حقوقهما من الثروات الطبيعية بشرق المتوسط”.‏

‏وفي حديثه لـ”عربي21″، أكد أن “استبعاد اليونان والاحتلال وقبرص اليونانية لمصر، ‏يؤكد أنه لا يمكن الثقة والتحالف مع هذه الأطراف لأنها تؤكد مرة جديدة على الغدر ‏السياسي والاقتصادي لتحقيق مصالحها، مهما تضرر الآخرون”.‏

‏وألمح إلى أن “استبعاد مصر، قد يكون له علاقة بالتقارب الكبير  والاستراتيجي مع تركيا ‏بالاقتصاد والسياسة والمجال العسكري والاستخباراتي ما يزعج الاحتلال الإسرائيلي، ‏المنزعج من موقف القاهرة الرافض لفكرة تهجير أهل غزة، و‏ربما يكون الاحتلال يحاول ‏الانتقام اليوم من مصر، كما يحاول الانتقام من تركيا”.‏

‏وأضاف الكاتب والمحلل السياسي التركي: “وربما تكون اليونان تنتقم من مصر لأن ‏القاهرة التي وقعت اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع أثينا لم تفعلها على الأرض، ما أزعج ‏اليونان”، مقللا من قيمة التحالف الجديد بالقول: “هو كمن يضع الماء بزجاجة ‏مخرومة”، مضيفا أنه “‏من الجيد إعادة دراسة أي ثقة مُنحت سابقا لليونان ‏وللاحتلال”.‏

‏وخلص للقول: “هذا التطور بكل تأكيد يوقظ أكثر تركيا ومصر نحو فكرة تعزيز ‏تحالف بينهما لحماية مصالحهما المشتركة من الثروات الطبيعية شرقي المتوسط؛ ‏ويدفع لتسريع ملف ترسيم الحدود البحرية بينهما، بما يضمن لهما مساحات واسعة ‏وثروات طبيعية هائلة”. ‏

وتشهد العلاقات المصرية التركية تطورا لافتا بالعامين الأخيرين وصل حد عودة ‏المناورات العسكرية بينهما عام 2024، والذي كان آخر حلقاته الخميس الماضي، ‏بتدريب جوي مشترك، ما يثير مخاوف إسرائيل من “اتساع دائرة التعاون بين أنقرة ‏والقاهرة”، و”إعادة رسم معادلات القوة بالمنطقة”، و”وضع تل أبيب أمام تحديات ‏أمنية جديدة”، وفق وصف “معاريف” العبرية.‏

اختلاف الأولويات

وفي رؤيته، يتصور المحلل السياسي التركي طه عودة، في حديثه لـ”عربي21″، أن ‏‏”التحركات الأخيرة لقبرص وإسرائيل واليونان بدون مصر لافتة، كون القاهرة تصدرت ‏هذا المنتدى سابقا، وفي ظل توترات واضحة بين تركيا واليونان وقبرص حول المنطقة ‏الاقتصادية في شرق المتوسط”.‏

الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، يرى أن “أولويات تلك الدول اختلفت، ليس ‏فقط حول النقطة الأساسية والمتعلقة بملف الغاز، ولكن حول إعادة رسم توازنات ‏جيوسياسية بالمنطقة وفي شرق المتوسط، خاصة بعد توترات أزمة روسيا وأوكرانيا ‏‏(2022)، وأزمة غلق مضيق هرمز (2026)”.‏

لذا يعتقد عودة أن “واشنطن تنظر للتحالف الجديد بأنه يمكن أن يكون منصة ‏استراتيجية مرتبطة بالأمن البحري والطاقة، وربط أوروبا بالغاز من إسرائيل وقبرص، ‏وليس مجرد منتدى ومنصة اقتصادية”.‏

ولفت إلى أن “مصر بالمرحلة الماضية راهنت على معادلة تتعلق بالطاقة مع اليونان ‏وقبرص، لكن كما أشرت هناك تغيرات بالمنطقة بشكل عام، أظهرت أن تحالفات شرق ‏المتوسط تحكمها المصالح المتغيرة وليس الثوابت السياسية”، ومع ذلك يرى أن “ما ‏يجري لا يعني نهاية للدور المصري، وقد يكون رسالة واضحة بأن خريطة الطاقة في ‏شرق المتوسط يعاد تشكيلها وفق مصالح جديدة”.‏

وأشار إلى أن “استبعاد تلك الدول للقاهرة يدفعها نحو تركيا، التي تظل علاقاتها متوترة ‏مع إسرائيل واليونان وقبرص، ولذلك نحن أمام مرحلة تموضع كبرى بشرق المتوسط ‏قد تكون فرصة للقاهرة وأنقرة لإعادة صياغة العلاقة وإخراجها من التنافس إلى ‏التفاهم كما تابعنا التغيرات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية بالعامين ‏الماضيين”.‏

التقارب المصري التركي

وشهدت العلاقات المصرية التركية تحولات استراتيجية خاصة في المجال الاقتصادي ‏والعسكري أنهت سنوات من الجمود، حيث تسعى الحكومتان لرفع حجم التبادل ‏التجاري من قرابة 7 مليارات دولار حالياً لتصل إلى 15 مليار دولار السنوات المقبلة.‏

وسجل التبادل التجاري بين البلدين 6.8 مليار دولار بنهاية عام 2025؛ حيث بلغت ‏الصادرات المصرية لتركيا 3.2 مليار دولار، بينما سجلت الواردات من تركيا 3.6 مليار ‏دولار، فيما ضخت الشركات التركية استثمارات ناهزت 4 مليارات دولار في السوق ‏المصرية، وتعمل حالياً نحو 1300 شركة تركية داخل مصر، خاصة في قطاع الغزل ‏والنسيج والملابس الجاهزة.‏

اظهار أخبار متعلقة

وفي المجال العسكري والدفاعي، تم تفعيل “مجلس التعاون الاستراتيجي” نهاية 2024، ‏مع استئناف المناورات العسكرية وبينها تدريب “بحر الصداقة 2025” بين البحرية ‏المصرية والتركية في شرق البحر المتوسط.‏

وفي أيلول/سبتمبر 2025: وقعت وزارة الإنتاج الحربي المصرية اتفاقية مع شركة ‏‏”هافيلسان” التركية لإنتاج الطائرة المسيرة المتطورة “تورخا” بالمصانع الحربية المصرية، ‏وسمحت تركيا بانضمام مصر كشريك أصيل في مشروع إنتاج المقاتلة التركية من ‏الجيل الخامس (‏KAAN‏).‏

وأسس رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، آلية تعاون ثلاثي مع اليونان وقبرص ‏في قمة القاهرة تشرين الثاني/نوفمبر 2014، بهدف صياغة تحالف سياسي، أمني، ‏واقتصادي، والتعاون باستكشافات الغاز بشرق المتوسط؛ ما تبعها قمة نيقوسيا ‏نيسان/أبريل 2015، وقمة أثينا كانون الأول/ديسمبر 2015، لتتابع القمم في 2016، ‏و2017، و2018.‏

‏ وفي كانون الثاني/يناير 2019، انطلق (منتدى غاز شرق المتوسط) من القاهرة، ‏ليتطور المشهد بتوقيع القاهرة وأثينا في آب/أغسطس 2020 اتفاقية ترسيم الحدود ‏البحرية، لتتواصل القمم حتى القمة العاشرة في كانون الثاني/يناير 2025 بالقاهرة.‏

وترتبط مصر بإسرائيل باتفاقية لتصدير الغاز مع إسرائيل من حقول الأراضي ‏الفلسطينية المحتلة، بداية من شباط/فبراير 2018، بتوقيع شركة “دولفينوس” ‏المصرية -تمتلكها وتديرها جهات سيادية- اتفاقية لاستيراد 64 مليار متر مكعب غاز في ‏صفقة بـ15 مليار دولار. ‏

وفي حزيران/يونيو 2022، وقعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم في ‏القاهرة تقضي بزيادة إسرائيل لصادرات الغاز إلى مصر، التي تقوم بإسالة هذا الغاز ‏بمحطتي (إدكو ودمياط) وإعادة تصديره إلى أوروبا، ليجري في 2025، تعديلاً للصفقة ‏الأولى مع إسرائيل لتصبح بقيمة 35 مليار دولار، لتوريد 130 مليار متر مكعب غاز حتى ‏‏2040.‏

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *