أربعة شياطين تهدد الاتفاق الأميركي – الإيراني المرتقب!
في تفاصيل الاتفاق المنتظر توقيعه بين الولايات المتحدة وإيران، لا تكمن المشكلة في ما كُتِب وحده فحسب، بل في ما لا يُكتب. فالاتفاقات الكبرى في الشرق الأوسط لا تسقط بسبب بنود واضحة، بل بسبب هوامش رمادية: من يملك الحقّ في الرد؟ من يضبط الوكلاء؟ من يقرر معنى السيادة؟ ومن يضمن ألا يتحول الملف النووي الإيراني من ملفٍ تقني إلى ورقة ابتزاز سياسية؟
يمكن القول إن في هذا الاتفاق أربعة شياطين: شيطانان كبيران، هما “حزب الله” وإسرائيل، وشيطانان أصغر حجماً لكنهما شديدا الحساسية، هما السيادة على مضيق هرمز والملف النووي الإيراني. والصغيران هنا ليسا قليلَي الأهمية، بل أقل قابلية للانفجار الفوري من الشيطانين الكبيرين. فالنووي يمكن ترحيله إلى لجانٍ فنية ومهل زمنية، وهرمز يمكن تغليفه بلغة قانونية عن حرية الملاحة والسيادة المشتركة. أما “حزب الله” وإسرائيل فقادران على نسف الاتفاق بضربة واحدة، أو مسيّرة واحدة، أو اغتيال واحد في ضاحية بيروت الجنوبية.
يقوم جوهر الاتفاق، كما يبدو، على مقايضة كبرى: تخفيف الضغط الأميركي على إيران، وفتح مضيق هرمز أمام التجارة والطاقة، وتجميد التصعيد النووي، في مقابل وقف تمدد الحرب الإقليمية. لكنّ هذه المقايضة تصطدم بسؤال أكبر من الاتفاق نفسه: هل تملك السلطة السياسية الإيرانية قرار الحرب والسلم، أم يملك الحرس الثوري الإيراني الحق في التعطيل الميداني متى شعر بأن التسوية تمسّ نفوذه؟

“حزب الله” والحرس الثوري: العقدة الأخطر في الاتفاق الأميركي – الإيراني
هنا يدخل “حزب الله” من الباب الأوسع. فهذا الحزب ليس مجرد حليف لبناني لإيران، ولا مجرد تنظيم مسلح يستفيد من التمويل والتدريب والسلاح، بل هو جزء من هندسة النفوذ الإيراني في المشرق. علاقته بفيلق القدس في الحرس الثوري ليست علاقة دعم خارجي عادية، بل علاقة عضوية تشبه في لحظات كثيرة علاقة الذراع بالجسد. لهذا، لا يمكن أي اتفاق أميركي – إيراني أن يتعامل مع لبنان كملف جانبي. لبنان، في حسابات طهران، ليس ساحة بعيدة، بل خط تماس متقدم مع إسرائيل، وورقة تفاوض مع واشنطن، ومؤشر على وزن الحرس الثوري داخل القرار الإيراني.
كشف قصف الضاحية أخيراً هذه الحقيقة بوضوح. فإسرائيل أرادت القول إن الاتفاق، إن وُقّع، لن يمنح “حزب الله” حصانةً في بيروت أو الجنوب. الرسالة الإسرائيلية مزدوجة: لا هدنة مع الحزب خارج شروط أمنية صارمة، ولا قبول بأن تتحول التسوية الأميركية – الإيرانية إلى مظلة تحمي إعادة بناء قدراته. أما إيران، فكان تهديدها بالرد رسالة مقابلة: لا اتفاق يمرّ إن بدا كأنه يترك “حزب الله” مكشوفاً أمام إسرائيل.
الشيطان الأكبر الأول، إذاً، هو “حزب الله”: يريد من الاتفاق ضماناً لا مجرد تهدئة. يريد أن يخرج من الحرب غير مهزوم سياسياً حتى إن كان مثخناً بالجراح. يريد وقف الضربات الإسرائيلية ومنع فرض ترتيبات لبنانية داخلية تنتهي بسحب سلاحه أو إبعاده عن الحدود أو إخضاع قراره العسكري للدولة. بالنسبة إليه، أي اتفاق دولي لا يتضمن لبنان ناقص، وأي اتفاق يتضمن لبنان من دون ضمان موقعه هو اتفاق خطير.
لكن المشكلة أن ما يريده “حزب الله” ليس ما يريده لبنان الذي يحتاج إلى وقف الحرب، وإلى استعادة قراره، ومنع تحويل أراضيه إلى ملحق تفاوضي بين واشنطن وطهران. هنا تظهر المعضلة اللبنانية في أكثر صورها قسوة: الدولة تريد وقف النار كي تعيش، والحزب يريد وقف النار كي يحافظ على معادلة السلاح. الفرق بين الحاجتين هو الفرق بين دولة تبحث عن سيادة، وتنظيمٍ يبحث عن وظيفة إقليمية.

إسرائيل والاتفاق مع إيران: لماذا تخشى تل أبيب التسوية الجديدة؟
الشيطان الأكبر الثاني هو إسرائيل. فهي لا ترى في الاتفاق الأميركي – الإيراني فرصة بالضرورة، بل احتمال خطر. من وجهة نظرها، أي تخفيف للعقوبات على إيران، وأي إفراج عن أموال، وأي اعتراف ضمني بدور إيراني في المنطقة، قد يعني في النهاية وقتاً ومالاً لإعادة بناء شبكة الوكلاء. لذلك، تسعى إسرائيل إلى تثبيت قاعدة ميدانية موازية للاتفاق: حتى لو تفاهمت واشنطن مع طهران، فإن تل أبيب ستحتفظ بحرية ضرب “حزب الله” حيث تراه خطراً. هذه الحرية العملياتية هي بالضبط ما يُفجر الاتفاق، لأنها تجعل إيران أمام امتحانٍ دائم: إما أن تبتلع الضربات فتبدو ضعيفة أمام حلفائها، وإما أن ترد فتخاطر بإسقاط التسوية.
أما الشيطان الأصغر الأول فهو هرمز. ظاهرياً، المسألة قانونية: إيران وعُمان دولتان مطلتان على المضيق، والملاحة فيه تخضع لقواعد دولية. لكن سياسياً، هرمز زرّ ضغط على الاقتصاد العالمي. حين تقول إيران إنها تريد إدارة جديدة للمضيق لا تعود إلى ما قبل الحرب، فهي لا تناقش الجغرافيا، بل تريد ترجمةً عسكرية وسياسية لموقعها. تريد القول إن أمن الطاقة العالمي لا يمر هنا مرور الكرام، ومن يريد نفط الخليج آمناً عليه أن يعترف بدور إيران لا أن يحاصرها.
الشيطان الأصغر الثاني هو النووي الإيراني. على خطورته، يبدو في هذه اللحظة قابلاً للتأجيل أكثر من غيره. يمكن الاتفاق على وقف التخصيب عند سقف معين، أو تجميد التوسع، أو وضع مهلة للتفاوض، أو صوغ رقابة مؤجلة. لكن الخطر أن يتحول النووي إلى غطاء للتسوية، فيما تبقى المسائل الإقليمية بلا حلّ. عندها يصبح الاتفاق شبيهاً باتفاقات سابقة: ينجح ورقياً، ويفشل ميدانياً.

لماذا قد يفشل الاتفاق الأميركي – الإيراني بعد توقيعه؟
في العمق، ليست العقدة بين أميركا وإيران وحدهما. العقدة داخل إيران أيضاً. فالدولة الإيرانية تحتاج إلى اتفاق يخفف الحصار ويعيد المال والنفط والأسواق. لكن الحرس الثوري يحتاج إلى ألا يبدو الاتفاق هزيمةً لمحورٍ بناه طوال عقود. هذا التوتر بين مصلحة الدولة ومصلحة الجهاز العقائدي – العسكري هو ما يجعل “حزب الله” بنداً غير مكتوب في أي تفاهم. فالحرس لا يريد أن يدفع ثمن الاتفاق من رصيده الإقليمي، ولا يريد أن يظهر أمام قواعده وحلفائه موافقاً على تقليص وظيفة الحزب في مقابل إعفاءاتٍ نفطية أو أموال مجمدة.
لذلك، قد يكون الاتفاق ممكناً، لكن نجاحه أصعب من توقيعه. التوقيع يحتاج إلى قرارٍ سياسي. أما النجاح فيحتاج إلى ضبط إسرائيل و”حزب الله” والحرس الثوري وهرمز والنووي. هذه ليست ملفات منفصلة، بل شبكة ألغام مترابطة. ضربة في الضاحية تحرك طهران، ومسيّرة من الجنوب تحرك تل أبيب، وسفينة في هرمز تحرك الأسواق، وجهاز طرد مركزي في منشأة إيرانية يُعيد واشنطن إلى لغة التهديد.
ما يمكن استشرافه أن الاتفاق، إذا وُقّع، لن يكون نهاية الحرب بل بداية اختبار طويل لها. سيكون هدنة كبرى محاطةً بحروب صغيرة، وسيكون على لبنان أن يختار بين أن يكون بنداً في تفاوض الآخرين، أو دولة تحاول استعادة موقعها في لحظة إقليمية نادرة. أخطر ما في المشهد هو أن الشياطين الأربعة لا تحتاج كلها إلى التمرد. يكفي أن يتحرك أحدها كي يسقط الهيكل كله، ونعود إلى صبيحة 28 شباط 2026.
