الذكاء الاصطناعي بين الثورة والفقاعة: ماذا لو بدأ التصحيح الكبير؟
منذ إطلاق روبوتات المحادثة التوليدية على نطاق واسع أواخر عام 2022، تحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية واعدة إلى المحرك الرئيسي لأسواق المال العالمية. تريليونات الدولارات أُضيفت إلى القيم السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى، واندفعت الشركات والحكومات إلى سباق استثماري غير مسبوق لبناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق والبنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج الذكية. اليوم، يُتوقع أن تنفق كبريات شركات الحوسبة السحابية والتكنولوجيا مئات مليارات الدولارات على مشاريع الذكاء الاصطناعي، فيما تشير تقديرات حديثة إلى أن الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة به قد يقترب من 750 مليار دولار خلال عام 2026 وحده، وهو رقم يعكس حجم الرهان العالمي على هذه الثورة التقنية.
لكن التاريخ الاقتصادي يُظهر أن التقنيات الثورية لا تسير دائماً بخط مستقيم. فالسكك الحديد، والكهرباء، والإنترنت، جميعها مرّت بمراحل من الحماسة المفرطة والمضاربات قبل أن تتعرض لتصحيحاتٍ مؤلمة. لذلك يزداد الحديث اليوم عن احتمال تشكل “فقاعة ذكاء اصطناعي” إذا تبيّن أن الأرباح الحقيقية والنمو الإنتاجي لا يتطوران بالسرعة التي تفترضها الأسواق حالياً.
السيناريو الذي يثير قلق المستثمرين لا يتمثل في فشل الذكاء الاصطناعي كتقنية، بل في فشل التوقعات المالية المرتبطة به. فالفارق كبير بين أن تكون التكنولوجيا قادرة على تغيير العالم خلال العقد المقبل، وبين أن تحقق الشركات المطورة لها عوائد كافية خلال السنوات القليلة القادمة لتبرير التقييمات القياسية الحالية. وهنا يكمن جوهر المخاطرة. فالأسواق لا تسعّر إمكانات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تسعّر أيضاً سرعة تحقيق هذه الإمكانات وتحويلها إلى أرباحٍ مستدامة.

تظهر مؤشرات عدة أن هذا التباين بين التوقعات والواقع لا يزال قائماً. فقد كشفت دراسات حديثة شملت آلاف الشركات والمديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، أن نحو 90% من الشركات لم تسجل حتى الآن تأثيراً ملموساً للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية أو التوظيف خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم انتشار استخدامه على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه، يتوقع هؤلاء المديرون أنفسهم أن تبدأ الآثار الإيجابية بالظهور خلال السنوات المقبلة، ما يعكس فجوةً واضحة بين الوعود الحالية والنتائج الفعلية المسجلة حتى الآن.
ويرى العديد من الاقتصاديين أن السبب يعود إلى طبيعة التحول التكنولوجي نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يشبه تثبيت برنامجٍ جديد على أجهزة الشركات، بل يتطلب إعادة تصميم العمليات التشغيلية، ودمج الأنظمة القديمة، وتطوير مهارات الموظفين، وتغيير نماذج العمل. وهذه التحولات تحتاج إلى سنوات قبل أن تنعكس على الإنتاجية والنمو الاقتصادي بشكل واضح. كما أن المنافسة المتزايدة بين النماذج التجارية والمفتوحة المصدر تضغط على الأسعار وهوامش الربح، ما يجعل تحقيق العوائد المالية أصعب مما كان متوقعاً في بداية موجة الحماسة الحالية.
إذا فقد المستثمرون ثقتهم فجأة بهذه التوقعات، فإن التصحيح المحتمل قد يبدأ من سوق الأسهم الأميركية. بعض السيناريوات الاقتصادية التي تمت دراستها يفترض هبوط مؤشر “إس آند بي 500” بنحو 20% نتيجة إعادة تقييم شركات الذكاء الاصطناعي وتراجع الإنفاق على مراكز البيانات والبنية التحتية. في هذه الحالة لن تقتصر الخسائر على شركات التكنولوجيا فحسب، بل ستشمل المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد وأسواق الائتمان حول العالم، ما يؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري وتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.
وتشير هذه السيناريوات إلى أن الاقتصاد العالمي قد يخسر قرابة 1.6 تريليون دولار من الناتج خلال العام الأول فقط من حدوث صدمة مماثلة، أي ما يفوق الناتج السنوي لدولٍ متقدمة بأكملها. كما قد يقترب الاقتصاد الأميركي من الركود نتيجة تراجع الثروة المالية وانخفاض الاستثمارات وارتفاع حالة عدم اليقين. وفي ظل هذا الوضع قد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطراً إلى خفض أسعار الفائدة مراراً لدعم النمو والحدّ من تداعيات التباطؤ الاقتصادي.

أما الدول الأكثر عرضة للخطر، فستكون تلك التي استفادت بشكل مباشر من طفرة الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها تايوان وكوريا الجنوبية. فتايوان أصبحت مركزاً عالمياً لتصنيع الرقائق المتقدمة والخوادم والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بينما تعتمد كوريا الجنوبية بشكل كبير على صادرات أشباه الموصلات والذاكرة الإلكترونية. أي تراجع حاد في الطلب على هذه المنتجات قد يؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي بصورة ملحوظة في البلدين مقارنةً ببقية الاقتصادات العالمية.
في المقابل، قد تكون أوروبا والصين أقل تأثراً نسبياً لأن مساهمتهما في طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية كانت أقل من الولايات المتحدة وشرق آسيا. إلا أن تباطؤ الاقتصاد الأميركي وانخفاض الطلب العالمي سيؤثران بدورهما على الصادرات والاستثمارات وثقة الأسواق في هذه المناطق أيضاً.
ورغم ضخامة هذه المخاطر، فإن التصحيح المحتمل لا يعني نهاية ثورة الذكاء الاصطناعي. فالتاريخ يقدم مثالاً واضحاً من فقاعة الإنترنت مطلع الألفية. حينها انهارت أسعار أسهم شركات التكنولوجيا وخسرت الأسواق تريليونات الدولارات، لكن الإنترنت نفسه استمر في التطور وأصبح لاحقاً أساس الاقتصاد الرقمي العالمي. لذلك، فإن انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، إذا حدث، قد يكون تصحيحاً للتقييمات والتوقعات أكثر منه فشلاً للتكنولوجيا ذاتها.
في الواقع، لا تزال الاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتسارع بوتيرةٍ غير مسبوقة، مع مشاريع جديدة بمليارات الدولارات لإنشاء مراكز بياناتٍ عملاقة وتوسيع القدرات الحاسوبية حول العالم. وهذا يشير إلى أن الشركات والحكومات لا تزال ترى في الذكاء الاصطناعي رهاناً استراتيجياً طويل الأجل، حتى وإن كانت الأسواق قد تبالغ أحياناً في تقدير سرعة تحقيق العوائد المالية منه.
يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر الاقتصاد العالمي، بل متى سيترجم هذا التغيير إلى أرباح وإنتاجية تبرر المبالغ الضخمة التي تُستثمر اليوم؟ وإذا تبيّن أن هذا التحول يحتاج إلى عقد كامل بدلاً من بضع سنوات، فقد تشهد الأسواق تصحيحاً واسعاً يعيد تقييم القطاع بأكمله. أما إذا نجحت الشركات في تحويل الوعود الحالية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة بوتيرةٍ أسرع من المتوقع، فقد تتحول الاستثمارات الحالية إلى إحدى أكبر موجات النمو في التاريخ الحديث. وبين هذين الاحتمالين، تقف الأسواق العالمية اليوم أمام أهم الاختبارات الاقتصادية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
