تغيير ركائز المفاهيم القديمة في العلاقات الدولية
يبدو السياق الذي تسيرُ فيه العلاقات الدولية إبَّان هذه الفترة، مختلفٌ من حيث القواعد المُعتمدة عمَّا كان عليه الحال من قبل، وهناك خلط جديد للأوراق، تختفي معه ظواهر الانقسامات التقليدية، وتبرز معادلات جديدة، لا تأخذ بالاعتبار المُحددات التي تحكم التقسيم المحوري القديم.
وهذه المعادلات تستند إلى اعتبارات جديدة، غالبيتها تعتمد على براغماتية المصالح والانتفاع، بينما شيءٌ منها قد يستند إلى ميثولوجيات خفية، تنطلق من أساطير لا تتوافق مع الحداثة القائمة، ولا تفهمها الأجيال الجديدة، وتتعارض مع العولمة.
إصابة هدف ثالث
لعلَّ الخصوصيات الغريبة للحرب التي حصلت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة ثانية، تصلُح لتكوين فكرة عن التغييرات الحاصلة في العلاقات بين الدول، حيث يمكن التضرُّع بالدفاع عن النفس لإصابة هدفٍ ثالث ليس له علاقة بالصراع، وهو خارج هذه الحرب، وقد يكون هدف إدخاله فيها والاعتداء عليه من ضمن سيناريو توزيع الأدوار، والتعمية على الوقائع، لتحصيل مكاسب من مُسالمين أو مُحايدين، يعجز أطراف في الحرب تحصيلها من المُعتدين.
وهذه الحالة تنطبق على العدوان الذي تمارسه الآلة العسكرية الإيرانية وأذرعها ضد الدول العربية المجاورة، في تعمية وقِحة على الوقائع، وهروب من المسؤولية الدولية بحجة رد الاعتداءات. وهو ما يتطابق أيضاً مع السياسة العدوانية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.
ويمكن توضيح فكرة التغييرات الهائلة الحاصلة على المستوى الدولي، عند مراقبة التحلل من الهوى التحالفية التي تمارسها قوى كبرى، حيث التعاون الذي أوحت به القمة الأميركية – الصينية الأخيرة في بكين، وبدأ البحث عن المغانم يجري بين المتخاصمين، في إغفالٍ واضح للحلفاء، ولا يبدِّل المشهد الكلام عن فشل القمة في إرساء تعاون حول الحرب في غرب آسيا.
والقمة الروسية – الصينية التي أعقبت الأولى وفي ذات المكان، أوحت كأن سياقات جديدة تُفرَض على العلاقات الدولية، وربما على الانتظام الدولي برمته، بصيغة مختلفة عن السابق. ومن الواضح أن ما جرى، فيه شيءٌ من التهميش لأطراف وازنة على المستوى الكوني، ولا سيما للجانب الأوروبي الشريك مع الولايات المتحدة الأميركية في حلف الناتو، والمشارك الفاعل في تأسيس النظام الدولي القائم حتى الآن.
النظام الدولي الذي مازال قائماً، اعتمد على مبدأ احترام سيادة الدول – بصرف النظر عن حجمها – وفي أن المعاهدات الدولية هي القاعدة التي تُلزم أي سلطات عامة احترام المعايير المُتفق عليها، بعدم الاعتداء على الغير وتحريم التدخُل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى، والعمل بقواعد الاستفادة من الأجواء الدولية والبحار العامة والمحيطات والمرور في مياهها ومضائقها من دون أية قيود. وتأسيس هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الرافدة – لا سيما مجلس الأمن الدولي – كان بغرض مراقبة هذا الانتظام، ومنع أي انتهاك يُصيبه، وحفظ الحقوق الوطنية للدول، كذلك صيانة الحقوق الدولية العامة التي تخصّ الكوكب برمته.
يحاول بعض الدول التي تعتقد أنها تمتلك فائضاً من القوة على المستوى الكوني، أو على مستوى إقليم مُحدَّد، أن تفرض إرادتها على أقرانها من الدول الأخرى، وتعتقد أن الفرصة مُهيأة لتنفيذ أجندات خاصة تعتمد على فرضيات ليس لها أي أساس منطقي، وتهدف هذه المحاولات لوضع اليد على مقدرات ليست من حقها، والهيمنة على مصالح أقاليم ودول من خلال توجيه استثمارات تخفي استغلالاً وحصرية، ولا تستند إلى أي قواعد تفاضلية. وهذه التفاضلية، أو تكافؤ الفرص، هي التي تعطي المشروعية للاستثمار والنفعية، وليس من خلال توظيف القوة العسكرية للحصول عليها.
هرمز واستباحة القانون
وقد يكون الحديث الذي يجري في طهران عن تشكيل هيئة خاصة لإدارة مضيق هرمز، من أبرز المقاربات التي تؤشِّر على استباحة القانون الدولي، و”البوشقة” على حقوق الغير، ذلك أن المضيق ممر دولي خالص بموجب أحكام اتفاقية أعالي البحار للعام 1982، ولا يجوز تحت أي ظرف تغيير هذه الوقائع من أي طرف، لأن الأمر يتعلَّق بحقوق الدول الأخرى، لا سيما الشريكة في مشاطأة مياه المضيق. وموافقة قوة دولية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية على تغيير قواعد استخدام المرور في المضيق، لا يعطي أي مشروعية لهذا التغيير، ولا يمكن أن تكون حقوق الغير، ولا الانتظام الدولي العام، جزء من أي تسوية بين متخاصمين، أياً كانوا، علماً أن الولايات المتحدة الأميركية تُعلن أنها ليست في وارد اتخاذ مثل هذا القرار، وهي ما زالت تؤكد على احترام قواعد القانون الدولي ذي الصلة.
يضجُّ الفضاء السياسي والأكاديمي في الحديث عن تغييرات هائلة على مستوى إدارة العلاقات بين الدول، وحول التوافقات الجديدة التي تحصل، أو الاختلافات الكبيرة التي وقعت، وهنا نشير إلى التباين الحاصل بين قوى الغرب والتوافقات التي قد تكون حصلت بين قوى من الشرق وقوى من الغرب. لكن الضجيج الفكري والأدبي، لا يعني أنه وقائع دامغة موجودة على أرض الواقع ولها قوتها القانونية المُحكمة. وفي هذا السياق فلكل الدول خياراتها التي قد تتغيَّر أيضاً، وعوامل القوة ليست حكراً على جهة دون أخرى.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
