زيارة بوتين للصين… بعد القمّة الأميركية-الصينية
د. خالد العزي*
لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 20 أيار/ مايو 2026، للصين زيارة بروتوكولية عادية، بل جاءت بعد قمة أميركية-صينية حدّدت معالم العلاقة بين الطرفين، ونقلت الصراع من الحرب الأيديولوجية والعسكرية إلى حرب تنافسية اقتصادية، ما يعني أن ملامح الخريطة الجيوسياسية بدأت تتضح تدريجاً وبهدوء.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة: أين موقع روسيا في رسم هذه الخريطة القادمة؟ وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى قدرتها على تأكيد حضورها العالمي، رغم الأزمات التي تمر بها، سواء في ما يتعلق بالحرب الأوكرانية الروسية أو العقوبات الغربية أو التراجع الفعلي لدورها العالمي؟
فالزيارة تمنح روسيا قدراً مهماً من الاهتمام والأبعاد الاستراتيجية، خاصة بعد قمة الرئيسين الأميركي والصيني. الرئيس بوتين يحمل ملفات اقتصادية خاصة يسعى لحسمها، وتحديداً تطوير خط “سبيري 2” لنقل الغاز من مناطق يامالي في سيبيريا إلى الصين، إضافةً إلى التوسّع في التجارة وتطوير العمليات النقدية بالعملتين، في محاولة روسية لتأسيس نظام عالمي متعدد التوجهات يقل الاعتماد فيه على المنظومة المالية الغربية.
آفاق التنافس…
الصين تسعى لتنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على جهة واحدة. هذا الموقف جاء في ظل تغييرات عالمية حدثت أخيراً، وانعكست سلباً على اعتماد الصين الصناعي على مصادر الطاقة، المرتبطة بدول بدأت تفقد استقرارها أمام الهيمنة الأميركية، نتيجة عدة عوامل:
– النقطة الأولى: فشل بعض الرهانات على طرق غير ثابتة وتعرّضها للمخاطر والانقلابات، كما حدث مع النفط الفنزويلي، وصعوبة إيصال الطاقة من إيران والخليج بعد تصاعد التوترات الأميركية-الإيرانية، ما وضع الاقتصاد الصيني في أزمة ركود وخوف على مسارات الطاقة.
– النقطة الثانية: القمة الأميركية-الصينية وضعت البلدين في مسار التنافس الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، مع إبعاد الصراع العسكري عن المعادلة. وهذا يعني أن استراتيجية الصين الاقتصادية تقوم على فتح كافة الطرق للوصول إلى تنافس عالمي، وتطوير شبكات الصادرات لتصل إلى جميع الأسواق بطرق متعددة.
لذلك، تتجه روسيا للتمسّك بعلاقاتها مع الصين، ووفقاً لتصريحات الرئيس بوتين، تقوم العلاقة على معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون، وتشكل العلاقة قاعدة لتطوير التعاون في مختلف الاتجاهات، حيث أكد الرئيس الروسي استعداد بلاده للمشاركة في منتدى “آسيان” الاقتصادي، ودعوة الرئيس الصيني لزيارة موسكو في محاولة من الرئيس بوتين للتصرف مع الصين كما الولايات المتحدة.
تطوير خط “سيبيريا 2”
بعد تصريحات الصين المفاجئة لجهة وصولها إلى مصادر الطاقة المختلفة، تحاول روسيا الاستعجال في تطوير وبناء خط “سيبيريا 2” في ظل الخسائر التي تكبّدتها من الغرب، وفي محاولة لتعزيز دورها في آسيا عبر الصين. ويُعدّ هذا الخط من أهم المشاريع العالمية لنقل الغاز الطبيعي إلى الصين، حيث يمتد طول الأنابيب إلى 4 آلاف كيلومتر، بطاقة سنوية تصل إلى 50 مليار متر مكعب. يأتي هذا المشروع في سياق تطوير خطوط الطاقة والغاز لتعزيز التعاون وزيادة الإمدادات، خاصة مع رغبة بكين في تنويع شبكات إمداد الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، بل ترتيب الوصول إلى مصادر متعددة تضمن تأمين الطاقة للصين.
التعاون الروسي-الصيني
على الرغم من محاولة الرئيس بوتين إظهار جانب الزيارة كزيارة تفاعل وتنسيق بين صديقين، يؤكد الواقع أن الصين تمثل الطوق الاقتصادي الفعلي لروسيا في ظلّ الحصار الغربي، لكونها الدولة الوحيدة القادرة على الاستثمار وشراء النفط الروسي رغم العقوبات الغربية.
إذن، وصلت العلاقات الروسية-الصينية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، لا إلى مستوى التحالف، ولم يتم التوصّل إلى اتفاقية دفاع مشترك.
في النهاية، يمكن تحديد موقف روسيا من خلال بيان الكرملين قبل التوجّه إلى الصين، الذي أعلن فيه أن “الوضع العالمي يزداد تعقيداً، وأن الابتعاد عن أجندة السلام والتنمية يضع العالم أمام تحديات ومخاطر جديدة، قد تؤدي إلى تفكك المجتمع الدولي وحروب جديدة”. وأشار البيان إلى أن روسيا تستعد لرسم مرحلة جديدة تقوم على تحالفات وأقطاب متعددة، ما يعني أن روسيا أصبحت ملتصقة بالصين، وليست قوة موازية أو نداً لها.
– المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
