العلوم والتكنولوجيا

هل يصنع الذكاء الاصطناعي لحظة “كوداك” جديدة؟

0 0
Read Time:2 Minute, 49 Second

*د. أنور كوثراني

لا يتذكّر التاريخ شركة “كوداك” Kodak لأنها فشلت في الابتكار، بل لأنها أخفقت في إدراك السرعة التي كان العالم يتغيّر فيها. واليوم، يبدو أن التعليم مهدّد بارتكاب الخطأ نفسه.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد تطور تقني عابر، بل أصبح قوة تعيد تشكيل معنى المعرفة والعمل والتعلّم، بل وحتى مفهوم القيمة الإنسانية ذاته. ومع ذلك، لا تزال جامعات كثيرة حول العالم، ومنها في لبنان، تعتمد نماذج تعليمية تعود إلى قرن مضى: امتحانات قائمة على الحفظ، وتعليم تلقيني، وتخصصات جامدة، وأنظمة تكافئ التكرار أكثر مما تكافئ التفكير.

الخطر اليوم لم يعد يكمن في التطور التكنولوجي بحد ذاته، بل في “اللاجدوى التعليمية”.

فبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن تتغيّر قرابة 40 في المئة من المهارات المطلوبة في سوق العمل خلال السنوات المقبلة، فيما سيحتاج معظم العاملين إلى إعادة تأهيل مهني مستمرة. وفي المقابل، باتت المؤسسات وأرباب العمل يركّزون بشكل متزايد على التفكير التحليلي، والإبداع، والمرونة، والقدرة على التكيّف، ومهارات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من المهارات الروتينية القابلة للأتمتة.
اليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة المقالات، وتلخيص الأبحاث، وتحليل البيانات، والمساعدة في البرمجة، وإعداد العروض التقديمية خلال ثوانٍ معدودة. ومع ذلك، لا تزال جامعات كثيرة تقيس تعلّم الطلاب من خلال مهام صُمّمت لعصر كانت فيه المعرفة نادرة، لا لعالم أصبحت فيه المعلومات متاحة بلا حدود.

 

وقد بدأ خريجو عام 2026 يكتشفون بالفعل أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد تضمن الأمان المهني، في ظل اقتصادات يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها بوتيرة متسارعة.

 

ومع بداية ثلاثينيات هذا القرن، قد تجد الجامعات نفسها لا تنافس جامعات أخرى فحسب، بل أيضاً منصات تعليم مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة تعليم تكيفية، وشهادات مصغّرة، وبرامج اعتماد مهني تتطور بوتيرة أسرع من المناهج التقليدية.
أما الأطفال الذين وُلدوا عام 2026، فقد يدخلون سوق العمل قرابة عام 2048 في عالم يضم مهناً لم تُخلق بعد، ويعملون يومياً إلى جانب أنظمة ذكية، ضمن اقتصادات تقوم على التغيير المستمر لا على الاستقرار.
ورغم ذلك، لا يزال التحوّل التعليمي يسير ببطء مقلق.

 

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (جيمناي)

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (جيمناي)

 

فكثير من المؤسسات تخلط بين الرقمنة والابتكار. فرفع المحاضرات إلكترونياً أو شراء برامج حديثة لا يعني تحولًا تعليمياً حقيقياً. فالتحوّل الحقيقي يبدأ عندما نعيد تصميم طريقة تفكير الطلاب، وقدرتهم على حل المشكلات، والتعاون، والتواصل، والتكيّف مع عالم غير قابل للتوقع.

 

الأزمة الحقيقية لم تعد تكمن في استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعي، بل في استمرار بعض المؤسسات التعليمية في إعدادهم لوظائف وقطاعات وواقع قد لا يكون موجوداً عند تخرجهم.
ولبنان لا يملك ترف تجاهل هذا التحوّل.

 

ففي بلد يعاني الانهيار الاقتصادي، وهجرة الكفاءات، وهشاشة المؤسسات، واتساع الفجوة الاجتماعية، قد تتحول “اللاجدوى التعليمية” إلى خطر يفوق الأزمة المالية نفسها. فلا يمكن لأي دولة أن تعيد بناء مستقبلها، وهي تهيّئ أبناءها لعالم الأمس.

 

لذلك، لم يعد التعليم اللبناني يحتمل إصلاحات شكلية. نحن بحاجة إلى تحوّل بنيوي حقيقي: تقييم يقيس التفكير لا الحفظ، ودمج مهارات الذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات، وتدريب مستمر للأساتذة، وتعزيز التعليم البيني، وبناء شراكات أقوى بين الجامعات وقطاعات العمل المستقبلية، والاستثمار في البحث والابتكار، مع التركيز على المهارات الإنسانية العميقة التي لا تزال الآلة عاجزة عن استنساخها، مثل الحكم الأخلاقي، والإبداع، والقيادة، والذكاء العاطفي، والمرونة، وحل المشكلات المعقدة.
فالتاريخ نادراً ما يُسقط المؤسسات لأنها تفتقر إلى الذكاء، بل لأنها تستخف بسرعة التغيير.

لقد رأت “كوداك” المستقبل، لكنها تمسّكت بالماضي.
أما التعليم، فلا يزال أمامه الوقت ليختار طريقاً مختلفاً.

 

* عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *