كأس العالم 2026… هل تبتلع ‘العولمة الكروية’ كبرياء المدرب الوطني؟
قبل أيام من انطلاق النسخة الأكبر والأكثر تعقيداً في تاريخ كأس العالم بمشاركة 48 منتخباً، لم تعد الإثارة مقتصرة على صراع المجموعات فوق العشب الأخضر، بل تبدأ مبكراً من “المناطق الفنية”. هناك، حيث تجلس “الواقعية المحلية” في مواجهة “الفلسفة المستوردة”، يبرز التساؤل التكتيكي الأعمق: هل تبتلع “العولمة الكروية” كبرياء المدرب الوطني، أم أن “أبناء الجِلدة” ما زالوا يملكون شفرة الإنجاز؟
المفارقة الرقمية الصارخة في هذه النسخة تعكس تحولاً جيوسياسياً في عالم كرة القدم؛ 21 مدرباً وطنياً فقط يرفعون راية “أبناء البلد” في مواجهة 27 مدرسة أجنبية. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي إعلان صريح عن تصدع في القلاع التقليدية التي اعتبرت على الدوام المدرب الوطني جزءاً من سيادتها القومية.
المتأمل لخريطة المقاعد الفنية للمنتخبات المتأهلة يلحظ تحولاً جيوسياسياً غير مسبوق، إذ تراجعت سطوة المدرب المحلي تاريخياً لصالح عولمة التدريب. فحتى القلاع التقليدية، التي لطالما اعتبرت المدرب الوطني جزءاً من سيادتها القومية وإرثها الثقافي، سقطت حصونها، فتخلت البرازيل، التي لطالما كانت تُدار بأقدام وعقول برازيلية، وتعتبر الاستعانة بالأجنبي مساساً بإرث “الكرة الجميلة”، عن كبريائها التاريخي بالاستعانة بالإيطالي كارلو أنشيلوتي، ولجأت إنكلترا للألماني توماس توخيل لفك عقدة “اللقب المفقود”، واستنجدت الولايات المتحدة بالأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو لقيادة مشروعها التاريخي. هذا المشهد يثبت أن صناعة كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بـ “جواز السفر”، بل بـ “صندوق الأدوات التكتيكية” والقدرة على إدارة صراعات نفوذ النجوم عالمياً.

الشيفرة الجينية ضد علم البيانات
في مواجهة هذه الموجة الاستعمارية تكتيكياً، يقف أقل من نصف مدربي المونديال فقط من الوطنيين، متسلّحين بميزة لا تشتريها الميزانيات الضخمة ولا برمجيات المعلومات الصارمة: “الشيفرة الجينية والذهنية للاعب المحلي”.
في عالم المنتخبات، حيث لا يملك المدير الفني سوى معسكرات قصيرة لا تتعدى أياماً معدودة، تصبح “الإدارة النفسية” وتخفيف الضغوط وسيلة الحسم الأساسية، وهو ما يتفوق فيه ابن البلد. نرى ذلك بوضوح في تجربة ليونيل سكالوني مع الأرجنتين، الذي حول غرف الملابس من حقل ألغام من الضغوط إلى “بيئة عائلية” حررت ميسي ورفاقه، وصنعت مجداً تاريخياً. وفي المنطقة العربية، يبرز حسام حسن مع منتخب مصر كنموذج للمدرب الذي لا يراهن على رسم تكتيكي قويّ بقدر مراهنته على إعادة إحياء “الشخصية القتالية” والروح الجماهيرية التي صنعت أمجاد الفراعنة تاريخياً.
ومع ذلك، فإن غياب أسماء وطنية رائدة كان لها ثقلها في الآونة الأخيرة، وفي مقدّمها وليد الركراكي، الذي انتهت رحلته مع المنتخب المغربي، يجرّد المدرسة الوطنية من أحد أهم حصونها التي أثبتت في قطر 2022 أن الواقعية المحلية قادرة على قهر أعتى المدارس الأوروبية المستوردة. هذا الغياب يضع عبئاً مضاعفاً على باقي المدرّبين الوطنيين لإثبات أن نموذج “ابن البلد” ليس مجرد خيار عاطفي موقت، بل كفاءة قادرة على الاستدامة.
مونديال 2026 لن يكون مجرد تصفية للحسابات الكروية بين المنتخبات، بل سيكون الاختبار الحقيقي لجدوى “الانتماء”؛ فإما أن يثبت أبناء البلد أنهم أدرى بشعابها التكتيكية والنفسية، أو أن تعلن “العولمة” هيمنتها الكاملة وتبتلع ما تبقى من كبرياء المدرب الوطني.
