17 أيار وقبل وبعد: التاريخ بلا غد! , عن ما كُتب وقيل في “اتفاق 17 أيار”
لا نمتلك “الداتا” كاملة التي تحصي تاريخاً من17 أيار 1983 بالأعداد الصادمة المذهلة للبنانيين الضحايا والجرحى والمعوقين والمهجرين والمهاجرين كلياً أو نسبياً، ولا بإحصاءات الدمار والاقتصاد والإنماء والتنمية وكل ما يمت بصلة إلى دورة تطور البلدان في ظروف طبيعية. ومع ذلك، لن يكون اللبنانيون في حاجة إلى أي مستند رقمي أو إحصائي أو علمي، لكي يقف مدمراً أمام مفهوم “التاريخ” بعد 43 عاماً من مصادفة ذكرى اتفاق 17 أيار مع آخر المحاولات اليائسة لتحويل هذا اليوم موعداً لوقف أهوال حربٍ طاحنة إضافية تسحق لبنان عبر مسمى وقف النار، أو وقف الأعمال العدائية أو الهدنة في أفضل الأحوال.

يتصل الأمر بواقعٍ لا جدل حوله في ان العقود الأربعة التي مرت منذ ذاك التاريخ أثبتت بالوقائع القاطعة الفجة أن موانع إقامة الدولة الطبيعية القادرة على حماية لبنان من اجترار التاريخ لنفسه كل رزمة سنوات، لم تختلف يوماً من الناحية التكوينية الداخلية لتركيبة لبنان من جهة ولا من ناحية موقع لبنان الإقليمي من جهة مقابلة، سواء ظل من يندرجون في مفهوم “الممانعة” اليوم، والذين كانوا يصنفون أنفسهم في معسكر الوطنيين المزعومين أيام السبعينات والثمانينات، يطلقون مفاهيمهم العقيمة على مفهوم التفاوض الذي اختارته الشرعية اللبنانية آنذاك وتختاره اليوم، وفي ظل أمرٍ واقع تتناسل حلقاته الكارثية على لبنان حقبة إثر الثانية بلا انقطاع، فإن الحقيقة الراسخة لن تتبدل حيال العامل القاتل نفسه بين الماضي والحاضر والغد، إن كان سيكون للغد من مكان بعد.
في الاجتياح الإسرائيلي حتى بيروت عام 1982 لم يكن اتفاق القاهرة وحده، ومجدداً، هو المسبب التاريخي الوحيد لتمدد دويلة فلسطينية وفرت لثلاثي اليمين الإسرائيلي المتطرف في الحكومة الإسرائيلية آنذاك حلم اجتياح اول عاصمة عربية، بل كانت حرب باردة دولية وأحلاف عملاقة واتحاد سوفياتي ونظام أسود معتم هو نظام حافظ الأسد وكل عدّة السحق للبنان المنسحق بحروب الآخرين كما بحربه الأهلية. لنقل أن كل اللاعبين والشهود اللبنانيين في ذاك الزمن وفروا الكافي من الوقائع المثبتة والمؤرخة في كتب ومؤلفات ومقابلات ووثائق، لا نحتاج معها لإثبات ضخامة الحدث الإقليمي واللبناني والدولي الذي واكب إبراماً يائساً قسرياً اضطرارياً للاتفاق الأبرز الذي عقد يوماً بين لبنان وإسرائيل، ومن ثم الانقضاض عليه وإسقاطه من مناهضيه وبفعل سقوط عوامل حمايته من رعاته الدوليين من جهة أخرى.
ولكن أن تمر أربعة عقود ونيف، وتعود السنوات الثلاث الأخيرة تحديداً وحصراً، ولن نحتسب ما سبقها من حروب وهدنات وخسائر وهزائم وتراجعات في مسار بلد مشدود إلى الوراء، أن تعود هذه السنوات بكل هذا التخلف المفاهيمي المواكب لتبعيةٍ قاتلة لدى فئة لبنانية ترهن لبنان وتقدمه أضحية لإيران ولأشرس سحق تمارسه إسرائيل، فهنا الصدمة التي لا شفاء منها إطلاقاً. لم يسحق لبنان بهذا القدر من الوحشية أيام الحرب الباردة نفسها وعلى رغم أن حروبه آنذاك والاحتلالات وحروب النفوذ الإقليمية والدولية تركته في عراء طوال 15عاماً حتى ذاك الطائف “المنقذ”. حتى بعد الطائف وكل ما حفل به من صعود وهبوط في زمن السلم وأزمات الانتكاسات وحروبها، الماثل اليوم أمامنا أشدّ شراسة وأقوى خطورة بأضعاف الأضعاف. مقتلة الدولة هي الأساس ومفهوم الانتقام من الدولة هو المرض المستعصي لأن التبعية السرطانية لا تتحمل دولة ما دامت الدولة تحمي الغد من استحضار مستدام لتاريخ كهذا!
