كيف أصبحت أجهزة “ستارلينك” والشبكات الافتراضية الخاصة تحت المراقبة؟
تُشكل قضية شركة TargetTeam، التي تتخذ من قبرص مقراً لها، فصلاً جديداً ومقلقاً في قضية المراقبة الرقمية على مستوى العالم، وتكشف عن تحولاتٍ عميقة في آليات التجسس التي تجاوزت اختراق الأجهزة أو كسر التشفير إلى استغلال البصمات الرقمية في الفضاء السيبراني، وتحويل ما يتم تسويقه على أنه “وسائل الحرية في الاتصال”، مثل “ستارلينك” والشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، إلى نقاط ضعفٍ قاتلة.
القصة، التي بدأت خيوطها تتكشف عبر تقارير إعلاميّة استقصائية إسرائيلية ودولية، تتعلق بظاهرةس متنامية تتخذ من قبرص منصةً خلفية لتصدير تقنياتس عسكرية إسرائيلية المنشأ إلى حكومات العالم، بعيداً من الأضواء والرقابة الصارمة.
في السياق، تبرز شركة TargetTeam، التي تأسست على يد نخبٍ سابقة من قطاع الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلي، قادمة من كيانات معروفة مثل “رايزون” (Rayzone) و”كوجنايت” Cognyte. اختيار قبرص مقراً لها كجزء من توجهٍ أوسع لشركات التكنولوجيا الأمنية للعمل في بيئة تنظيمية أوروبية تتيح لها حرية الحركة والتسويق، مع الحفاظ على الارتباط البنيوي الذي يربطها بالخبرات العسكرية المتراكمة في تل أبيب.
ما يميز هذه الشركة ليس قدرتها على الاختراق المباشر، وهو الأسلوب التقليدي الذي اشتهرت به برمجيات مثل “بيغاسوس”، بل قدرتها على الالتفاف على تحصينات التشفير العالية عبر تحليل ما يُعرف بـ”البيانات الوصفية” أو Metadata.

تنتح الشركة نظام (Stargetz)، الذي يسوق على أنه الحل السحري لأجهزة الاستخبارات التي تعاني من “العمى” في مناطق النزاع أو المناطق النائية التي تعتمد على الإنترنت الفضائي.
الفكرة الثورية لهذا النظام تكمن في منهجيته التي تقوم على” دمج البيانات” من دون كسر تشفير اتصالات “ستارلينك” المعقد. فالنظام يقوم بجمع شتات المعلومات المتناثرة من مصادر متعددة ودمجها لتكوين صورة متكاملة.
وفق الخبير في إدارة الاتصالات جبران الخوري، فإن “هذا النظام يعتمد على تقنيات دمج المعطيات والبيانات القائمة على الإعلانات (Ad-Tech Intelligence)، بحيث يتم تتبع معرفات الإعلانات الرقمية التي تبثها الهواتف الذكية باستمرار، ومقاطعتها مع بيانات الموقع الجغرافي وحركة المرور الشبكي”.
هذه العملية الحسابية المعقدة تتيح للنظام ليس تحديد موقع محطة الاستقبال أو جهاز “ستارلينك” بدقة فحسب، بل كشف هوية الأشخاص المتصلين بها.
قدمت التقارير الإعلامية في مواقع مثل Haaretz” “Jerusalem” Post” “Intelligence Online” أمثلةً حية ومذهلة لقدرات هذا النظام، منها استعراض مباشر أظهر القدرة على تتبع مستخدمٍ يحمل رقماً مكسيكياً، ليتضح عبر التحليل أنه ينشط فعلياً من داخل باكستان ويسافر بانتظام إلى إيران.
هذه الحالة تضرب في الصميم فكرة “الأمان” التي توفرها خدمات الإنترنت الفضائي للناشطين والصحافيين الذين يعملون في بيئاتٍ معادية ويعتقدون أنهم بعيدون عن أعين الرقابة المحلية.
الأخطر من ذلك هو القدرة على تتبع السفن والقوات البحرية التي تحاول التخفي بإغلاق أجهزة الإرسال الرسمية، إذ نقلت التقارير عبارةً تسويقية فجة لمندوبي الشركة تقول: “قد تختبئ السفينة، لكن طاقمها لا يزال بحاجة لتصفح تيك توك والمواقع الإباحية”، في إشارةٍ إلى أن السلوك البشري هو الثغرة التي لا يمكن ترقيعها تقنياً.
وتوازياً، مع استهداف الفضاء، وسعت الشركة ترسانتها لتشمل الأرض عبر أداة “VPNz”، المصممة لتقويض أحد أهم حصون الخصوصية الرقمية، وهي الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN). إذ لطالما اعتمد المعارضون السياسيون والحقوقيون على هذه الشبكات لإخفاء هوياتهم ومواقعهم، لكن الأداة الجديدة تدعي القدرة على “إزالة القناع” عن هؤلاء المستخدمين.
ويشرح خوري أن “هذه التقنية تعتمد على تحليل الأنماط الزمنية لحزم البيانات وحجمها، ومقارنتها بسجلات حركة المرور العالمية لتحديد نقطة الدخول والخروج، وبالتالي كشف المستخدم الحقيقي. هذا التطور يعني عملياً أن طبقة الحماية التي يعتمد عليها الملايين حول العالم قد أصبحت شفافةً أمام من يملك الثمن والأدوات المناسبة”.
تتكشف من خلال هذه التقنيات طبيعة الصراع السيبراني الحديث، فلم تعد المعركة تدور حول اختراق خادم أو سرقة كلمة مرور، بل حول الهيمنة على “الوعي الظرفي”. تسعى الحكومات اليوم، مدفوعةً بمخاوف أمنية وهوسٍ بالسيطرة، إلى امتلاك القدرة على رسم خرائط حية للنشاط البشري.
ويدعي نظام “ستارجتس” القدرة على مراقبة قرابة مليون محطة “ستارلينك” حول العالم في آن واحد، وهو ما يمنح الجهة المشغلة نظرة “عين الصقر” على تحركات القوات، أو تدفق اللاجئين، أو حتى نشاط خلايا التهريب، من دون الحاجة الى نشر جندي واحد أو طائرة مسيرة.

وفي رأي خوري “يثير هذا النوع من التكنولوجيا معضلاتٍ أخلاقية وقانونية لا حصر لها. فمن ناحية، تروج الشركة لمنتجاتها كأدوات لمكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، وهي حجج تجد صدى واسعاً لدى الدول. لكن من ناحية أخرى، يحذر خبراء الخصوصية ومنظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، من أن هذه الأدوات تمثل سلاحاً فتاكاً في يد الأنظمة القمعية. في مناطق مثل السودان أو ميانمار أو إيران، حيث يعتبر الإنترنت الفضائي شريان الحياة الوحيد لنقل حقيقة ما يجري للعالم، يمكن أن يؤدي تحديد موقع محطة اتصال إلى قصف جوي أو حملة اعتقالات وتصفيات. علاوة على ذلك، يكشف صعود TargetTeam عن الشبكة المعقدة لصناعة السايبر الإسرائيلية”.
فالارتباط الوثيق بشركات مثل “رايزون”، التي تخضع مبيعاتها لإشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية، يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية هذه الشركات “القبرصية”. إذ يبدو الأمر كأنه توزيع للأدوار، الشركات الأم في إسرائيل تلتزم القيود الصارمة نسبياً، بينما تتولى الأذرع الخارجية والشركات الناشئة في الملاذات الأوروبية مهمة تلبية الطلب العالمي المتزايد على أدوات المراقبة الأقل تقليدية والأكثر فتكاً بالخصوصية.
ويختم خوري بالاشارة الى أن “قضية TargetTeam بمثابة جرس إنذار في عالم يزداد ترابطاً وانكشافاً. إن التحول من “القرصنة” إلى “التحليل الاستخباراتي للبيانات الضخمة” يجعل من الصعب للغاية اكتشاف عملية المراقبة أو إثباتها، فالضحية لا تجد برمجيةً خبيثة في هاتفها، ولا تلاحظ أي بطء في جهازها، لكنها تكون مكشوفة تماماً”.
نحن أمام واقع جديد حيث لم يعد التشفير وحده كافياً للحماية، وحيث أصبحت عاداتنا الرقمية اليومية وسلوكنا العفوي على الإنترنت هما الجاسوس الأول علينا، في سوق عالمية لا ترحم تتقاطع فيها المصالح الأمنية مع الأطماع التجارية.
