العلوم والتكنولوجيا

لبنان: حزب الله يستهدف الليرة اللبنانية!

0 0
Read Time:3 Minute, 49 Second

سمارة القزّي

في الوقت الذي يقترب لبنان فيه من إعادة ضبط سياسية هشّة تحت قيادة الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، قد يكون شكل أكثر خفاءً من المواجهة قد بدأ بالفعل: حملة متجددة ضد الليرة اللبنانية.

الخطر الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على التصعيد العسكري أو الشلل السياسي، بل يتمثل في تحويل الانهيار الاقتصادي إلى سلاح متعمد.

بالنسبة إلى “حزب الله“، فإن أيّ تعبئة مباشرة ضد الحكومة تحمل مخاطر لم يكن يواجهها في السنوات السابقة. فأي محاولة لدفع مناصريه إلى الشوارع لمواجهة الدولة بشكل علني قد تنقلب عليه بصورة دراماتيكية. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والحروب المتتالية، بات عدد متزايد من اللبنانيين — بمن في ذلك داخل البيئة الشيعية — يحمّل الميليشيا المسلحة مسؤولية عزلة البلاد وانهيارها. وأيّ تحرّكات شعبية مفتوحة من قبل الحزب قد تؤدي إلى توحيد خصومه اللبنانيين، وتنفير الشركاء الدوليين، وتعزيز صورة حزب الله كقوة تعرقل تعافي الدولة.

 

الليرة اللبنانية. (أرشيفية)

الليرة اللبنانية. (أرشيفية)

 

 

ومن وجهة نظر الحزب، قد يكون افتعال الفوضى المالية أكثر فاعلية بكثير.

لقد شهد لبنان هذا السيناريو من قبل. فبين عامي 2021 و2023، دخلت الليرة في دوامة انهيار دمّرت القدرة الشرائية، وشلّت الأعمال، ودَفعت موظفي القطاع العام إلى حالة من اليأس. التضخم المفرط أفرغ الرواتب من قيمتها، وسرّع عملية الدولرة، ودفع المواطنين العاديين إلى الشوارع غضباً. بدا الانهيار حينها كأنه عفوي، لكن الواقع أن سوق العملة في لبنان لطالما كان هشاً وقابلاً للتلاعب السياسي.

واليوم، لا تزال هذه الهشاشة قائمة بشكل حاد.

فالدولة اللبنانية لا تزال تفتقر إلى دعم مالي خارجي فعّال، كما أن مصرف لبنان لم يعد يمتلك سوى أدوات محدودة للدفاع عن العملة، أبرزها امتصاص الدولارات القادمة من التحويلات والأسواق النقدية. فالشركات والمواطنون الذين يحتاجون إلى الليرة لدفع الضرائب أو النفقات المحلية يبيعون الدولارات عبر شركات الصرافة، التي تعيد بدورها ضخ جزء من السيولة الدولارية بشكل غير مباشر إلى احتياطيات المصرف المركزي.

لكن جزءاً كبيراً من قطاع الصرافة في لبنان عمل لفترة طويلة ضمن شبكات سياسية مرتبطة بحزب الله وحلفائه. وإذا بدأت شركات صرافة كبرى بتخزين الدولارات، أو إبطاء عمليات التحويل إلى الليرة، أو تضخيم حالة الهلع في الأسواق، فقد تتحول هذه التوقعات سريعاً إلى واقع يفرض نفسه. فالنظام النقدي اللبناني لا يزال هشاً إلى درجة لا تسمح له بتحمل صدمة ثقة جديدة.

التطورات الأخيرة توحي بأن هذا السرد يجري بناؤه بالفعل.

ففي 27 أبريل، نشرت صحيفة – تُعتبر منبراً لحزب الله والحرس الثوري الإيراني — مقالاً حذّرت فيه من أن سعر الصرف “على شفير الانهيار”. ومنذ ذلك الحين، كثّف معلّقون مقربون من حزب الله وشبكات التواصل الاجتماعي المتحالفة معه هجماتهم على حاكم مصرف لبنان، بالتوازي مع تضخيم التكهنات حول انهيار وشيك لليرة.

ولم تبق الحملة محصورة بالإعلام الموالي لحزب الله فقط، إذ واصلت صحف ومواقع معروفة أيضاً انتقاداتها المستمرة لحاكم مصرف لبنان، وأعادت تداول المخاوف المرتبطة بالاستقرار النقدي، ما ساهم — عن قصد أو عن غير قصد — في تعميق أجواء القلق المالي.

لكن الرهانات تتجاوز سوق العملات بحد ذاتها.

فالقطاع العام اللبناني لا يزال مكشوفاً بشكل كبير أمام تقلبات الليرة. فالموظفون المدنيون، والعسكريون، وقوى الأمن، لا يزالون يعتمدون بشكل أساسي على الرواتب المدفوعة بالليرة اللبنانية. ووفق موازنة عام 2026، تستحوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية على نحو 27% من إجمالي نفقات الدولة، وهي نسبة أقل من نحو 69% قبل الأزمة عام 2018، لكنها تبقى كافية لجعل أي انهيار حادٍ في سعر الصرف مدمراً لمداخيل الأسر داخل الأجهزة الأمنية.

وهنا تحديداً تكمن الخطورة السياسية لانهيار العملة.

فإن وجد الجنود وعناصر الشرطة والموظفون المدنيون أنفسهم مجدداً أمام رواتب فقدت قيمتها بالكامل، فقد تنفجر الاحتجاجات سريعاً في الشوارع تحت شعار الغضب الاقتصادي، لا الانتماء السياسي المباشر لحزب الله. وما يبدأ كاضطراب نقدي قد يتحول إلى حالة فوضى وطنية تضغط على حكومة سلام للاستقالة، وتضعف موقع الرئيس عون في لحظة يحاول فيها لبنان إدارة ديبلوماسية إقليمية حساسة، بما يشمل نقاشات مباشرة مرتبطة بخفض التصعيد واحتمالات ترتيبات سلام مستقبلية مع إسرائيل. 

إن زعزعة الاقتصاد توفر مساراً واقعياً لتحقيق الشلل السياسي من دون إطلاق رصاصة واحدة.

الخطر بالنسبة إلى لبنان هو أن البلاد قد تكرّر مجدداً خطأ التقليل من حجم قدرة الأنظمة المالية على التحول إلى أدوات في حروب سياسية.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فيفترض أن يكون الدرس واضحاً. فإذا كانت واشنطن تريد حماية الانتقال الهشّ في لبنان ومنع عودة النفوذ الإيراني عبر أدوات جديدة، فإن تثبيت الجبهة النقدية لم يعد سياسة ثانوية، بل بات جزءاً أساسياً من الأمن القومي.

وقد يتطلب ذلك آليات مالية طارئة لتعزيز قدرة مصرف لبنان على امتصاص ضغوط السوق، بما يشمل أشكالاً من الدعم الموقت للسيولة بالدولار أو ترتيبات مقايضة مالية. فمن دون دعم خارجي، ستبقى الدولة اللبنانية مكشوفة بشكل خطير أمام نقطة ضغط تدركها الميليشيا المرتبطة بإيران جيداً.

قد لا تبدأ المواجهة المقبلة في لبنان على الحدود الجنوبية فقط، بل ربما تبدأ عند شباك الصرافة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *