حين تتغيّر ملكية التعلّم: من يملك المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
د. انور كوثراني
لم تعد الورقة البيضاء التحدّي الأكبر أمام الطالب في الصفوف اللبنانية، فثمة حضور خفي بات يرافقه داخل العملية التعليمية: الذكاء الاصطناعي. هذا الحضور أتاح إنجاز الأبحاث بسرعة وبمستوى لغوي وتحليلي متقدّم. إلا أن الإشكالية لم تعد تقتصر على مسألة استخدام هذه التقنيات، بل انتقلت إلى تساؤل أعمق: ما الذي يكتسبه الطالب فعلياً من معرفة؟ ومن يسيطر على عملية التعلّم في هذا الواقع الجديد؟
لطالما ارتكزت المنظومة التربوية على فرضية واضحة مفادها أنّ المعرفة تُنقل من المعلّم إلى الطالب. غير أنّ هذه الفرضية فقدت راهنيتها في عالمٍ أصبحت فيه المعرفة متاحةً على نحو غير مسبوق، بل فائضة. إنّ ما أصبح نادراً اليوم ليس المعلومة في ذاتها، بل القدرة على فهمها، وتحليلها، واتخاذ موقف نقدي منها. وتشير تقارير Organisation for Economic Co-operation and Development إلى أنّ قيمة التعليم لم تعد تُقاس بحجم ما يمتلكه الطالب من معلومات، بل بقدرته على توظيف هذه المعرفة في سياقات متعددة.
في هذا الإطار، ينتقل التعليم من نقل المحتوى إلى بناء أنماط التفكير، ومن تلقّي الإجابات الجاهزة إلى امتلاك القدرة على طرح الأسئلة المناسبة. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساندة، بل أصبح عنصراً فاعلاً يعيد تشكيل العلاقة بين الطالب والمعرفة والمعلّم. فوفقاً لإطار United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجالاً معرفياً مستقلاً، بل كفاءة عرضية تتداخل مع مختلف التخصصات. لم يعد المطلوب أن يتعلّم الطالب “عن” الذكاء الاصطناعي، بل أن يتعلّم “من خلاله”، وأن يطوّر القدرة على استخدامه نقدياً، وتقييم مخرجاته، والكشف عن التحيّزات الكامنة فيه.
وتُظهر الأطر الأوروبية، بالتوازي مع توجهات OECD، أنّ التعلّم في هذا المجال يمرّ بمسارٍ متدرّج يبدأ بالتفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم استخدامها، فمراجعة مخرجاتها وتقييمها، وصولاً إلى تصميم حلول معرفية من خلالها. عند هذه المرحلة، لا يعود الطالب مستخدماً للتكنولوجيا فحسب، بل يصبح منتجاً للمعرفة.
غير أنّ هذا التحوّل يكشف عن أزمةٍ أعمق تمسّ جوهر التقييم التربوي. فإذا كانت الإجابة متاحةً بضغطة زر، فما الذي نقيسه فعلاً؟ تشير تقارير حديثة إلى أنّ نسبة معتبرة من مهمات التقييم التقليدية يمكن إنجازها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي من دون جهد فكري يُذكر. وهنا يفقد التقييم معناه، كما تفقد الشهادات قيمتها، إذا لم تعد تعكس قدرة حقيقية على التفكير. لم يعد السؤال عمّا يعرفه الطالب، بل كيف يفكّر، وكيف يبرّر، وكيف يميّز بين المعلومة الدقيقة والمضلّلة. بهذا المعنى، يتحوّل التقييم من قياس للناتج إلى قراءة معمّقة لمسار التفكير ذاته.
في موازاة ذلك، يشهد دور المعلّم تحوّلاً جذرياً. فهو لا يتراجع، بل يزداد عمقاً وتأثيراً. لم يعد ناقلاً للمعرفة، بل مصمّم لتجارب التعلّم، وموجّه للتفكير، وضامن للمعنى في بيئةٍ معرفية مفتوحة. ويستدعي هذا التحوّل إعادة تعريف إعداد المعلّمين، بحيث ينتقل من التركيز على المحتوى إلى بناء كفاءاتٍ تربوية عميقة قادرة على مواكبة هذا التحوّل.
وفي لبنان، بدأ بعض المبادرات التربوية يعكس هذا المسار عملياً، إذ برزت أمثلة في بعض كليات التربية من الجامعات الخاصة حيث جرى العمل على تدريب المعلّمين على دمج الذكاء الاصطناعي ضمن ممارسات تعليمية هادفة، وإعادة النظر في أساليب التقييم، وتوظيف أدواتٍ حديثة ضمن أطر تربوية مثل Bloom وUbD.
وقد نُفّذت هذه الجهود بالتعاون مع المدارس الرسمية والخاصة، وبالشراكة مع جامعات في الأردن، إضافة إلى برامج تدريبية عالمية مع McGraw-Hill، بما يعكس انتقالاً من الاستخدام التقني إلى دمجٍ تربوي قائم على الكفاءة وبناء التفكير.
إنّ لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. قد يبدو هذا التحوّل مؤجّلاً في ظل الأزمات المتراكمة، إلا أنّه في الواقع يشكّل فرصةً لإعادة بناء النظام التعليمي على أسسٍ أكثر حداثة ومرونة. وتشير التقارير الدولية إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على تقليص الفجوات التعليمية، وتوفير تعلّم مخصّص بتكلفةٍ أقل، وتحسين جودة التعليم حتى في البيئات الهشّة. غير أنّ هذه الإمكانات تظلّ رهينة توافر رؤية واضحة، وسياسات جريئة، واستثمارٍ فعلي في الإنسان قبل التكنولوجيا.
من هنا، لم يعد إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم مسألةً تقنية بحتة، بل قرار استراتيجي يمسّ جوهر النظام التربوي. فالتأخّر في هذا المسار لن يحافظ على البنى القائمة، بل سيُقصيها خارج الزمن التربوي. المطلوب اليوم إطار وطني يعيد تصميم المناهج على أساس الكفاءات، ويؤهّل المعلّمين بصورة منهجية، ويعيد بناء أنظمة التقييم بما يعكس التعلّم الحقيقي.
في الخلاصة، لم تعد المعرفة ملكاً حصرياً لأي طرف، غير أنّها لم تفقد قيمتها. بل على العكس، ازدادت ارتباطاً بما لا تستطيع الآلة امتلاكه: القدرة على الفهم، وإصدار الأحكام، وإضفاء المعنى. وفي عالمٍ ينتج فيه الذكاء الاصطناعي الإجابات، سيبقى التفوّق حكراً على من يمتلك القدرة على طرح السؤال.
*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية
