الخوف يُسقط التفاوض: لبنان أمام استحقاق الشجاعة والثقة والقدرة
تعجز السلطة اللبنانية عن أن تجلس مع الحكومة الإسرائيلية، برعاية أميركية، وهي خائفة من قيام الفتنة هنا، ومن حدوث انقلاب هناك، ومن تجدّد الحرب الأهلية.
ليس في مقدورها أن تفعل ذلك، لأنّها تخسر كل شيء على طاولة المفاوضات منذ اللحظة الأولى، على اعتبار أنّ من لا يتحكّم بالأرض والقرار والسيطرة لا يستطيع أن يقدّم ضمانات السلم ليأخذ، في المقابل، الحقوق التي يطالب بها.
السلطة الخائفة من فصيل داخل دولتها لا يقيم أحد لها اعتباراً، وخصوصاً إذا كان عدواً لا يثق بها، ولا بنيّاتها، ولا بقدراتها.
وبالفعل، بعد ساعات قليلة على إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نشرت وحدة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي بياناً معلوماتياً عن مصادرات مخازن أسلحة في جنوب نهر الليطاني، وأرفقته بتعليقات تنال من المهمة التي تولّاها الجيش في هذه المنطقة.
أدلّة
لم يكن هذا التشديد المتجدّد على الأدلة التي تتيح لإسرائيل عدم الثقة بالجيش اللبناني، بل كان جزءاً من الأدلة التي ستوضع بعهدة السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، الذي يجتمع اليوم الثلاثاء في وزارة الخارجية الأميركية مع نظيرته اللبنانية ندى حمادة معوّض، لوضع جدول أعمال يتم على أساسه إطلاق المفاوضات المباشرة بين وفدي لبنان وإسرائيل.
تعليمات رئيس الجمهورية العماد جوزف عون للسفيرة في واشنطن تقتضي بأن يكون البند التمهيدي الأول هو أن توقف إسرائيل إطلاق النار في كل لبنان.
في المقابل، تقضي تعليمات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للسفير الإسرائيلي بأن يتم الاتفاق على بندين للبحث: الأول نزع سلاح “حزب الله”، والثاني التوصّل إلى اتفاقية سلام بين البلدين.
إنّ إظهار إسرائيل الدولة اللبنانية عاجزة عن نزع فعلي لسلاح “حزب الله” في منطقة جنوب نهر الليطاني يعني عدم الثقة بها للقيام بهذه المهمة على امتداد لبنان. وبالتالي، فإنّ إطلاق المفاوضات يقتضي أن تثبت السلطة اللبنانية أنّها ستتخذ ما يكفي من إجراءات لتنفيذ هذه المهمة، وهذا يضع السلطة أمام خيار التعاون مع إسرائيل.
وهذا يعني أنّ موقع لبنان التفاوضي لا يمكن أن يقوى إلا إذا قرّرت السلطة التعاطي مع نفسها ومع المكوّنات اللبنانية على أنّها تملك فعلًا زمام الأمور، وأن كل من يمكن أن يقف في وجهها يتم التعامل معه بقوة وحزم.
ويمكن إدراج بيان قيادة الجيش ضد التحركات التي كان جمهور “حزب الله” قد بدأها في محيط السراي الكبير في هذا السياق.
ماذا لو…
ولكنّ السؤال الجوهري الذي ستطرحه إسرائيل في مواجهة مطالبة لبنان بوقف إطلاق النار في كل لبنان، والذي يفترض بالسلطة اللبنانية أن تقدّم جواباً مقنعاً عنه، هو: على فرض أنّنا أوقفنا إطلاق النار، وسقط اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لأي سبب من الأسباب، هل تملكون ضمانات بأن “حزب الله” سوف يبقى محايداً عسكرياً؟ وفي حال انخرط في الحرب مجدداً، ما هي الخطوات الميدانية التي سوف تقدمون عليها ضده وضد مواقعه وضد أسلحته؟
في هذه الحالة، لا تستطيع السلطة اللبنانية التوسّل بالمبررات التقليدية التي تعتمدها – وربما عن حق في بعض الأحيان – مثل القول إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى فتنة داخلية، وعلينا أن نكون حكماء.
يذهب لبنان إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وسط رفض “حزب الله”، ومعه الجمهورية الإسلامية في إيران بطبيعة الحال، وتالياً لا تملك السلطة اللبنانية تفويضاً من صاحب القرار الحقيقي للحرب.
وهذه الحقيقة ليست الوحيدة في نقاط ضعف الدولة اللبنانية، فهي لا تملك توازن القوة مع إسرائيل، ولا قدرة لديها على الرد على أي عدوان يمكن أن يستهدفها، وهي التي يتم احتلال أرضها، ولا يوجد مناصر لها في العالم لاسترداد سيادتها إذا لم تكن قادرة على احتكار السلاح وامتلاك قرار الحرب والسلم، وإذا استمرّت عاجزة عن تطبيق ما تتخذه من قرارات، تماماً كما حصل معها في كل قرار اتخذته منذ الخامس من آب/أغسطس الماضي، بدءاً بنزع سلاح “حزب الله” قبل نهاية العام 2025، وصولًا إلى عجزها عن تنفيذ قرار طرد السفير الإيراني من لبنان.
لولا الضغط الأميركي الهادف إلى نزع ورقة لبنان من يد المفاوض الإيراني، لما كانت إسرائيل قد قبلت بفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان، لأنّ من لا يملك القرار، لا يملك أن يفاوض عليه.
