نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في لحظة كان…
نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في لحظة كان يجب أن تكون عادية، كان الأطفال يجهزون حقائبهم، يرمقون السماء بحثا عن شمس تبارك خطواتهم إلى مدارسهم، كان المواطنون يخرجون من منازلهم كما تخرج الحكايات من دفاتر الذكرى. وكانت نابلس، ككل المدن التي أنهكها الحب والحرب، تتنفس بصعوبة، لكنها تتنفس.
فجأة توقفت عقارب الزمن في لحظة خرس فيها الهواء، وتكسرت فيها الرتابة على عتبة الفجيعة.
في شارع “تل” المزدحم بالأنفاس، اختبأت رصاصات في جوف سيارة مدنية، حملت داخلها جنودا لا يشبهون سوى الخوف، واقتربت من بناية تشبه ذاكرة نابلس.
في الدقيقة التي سمع فيها الطرق على باب القدر، أصيب يزن عودة برصاصة جاءته متخفية بثياب القهر، فسقط عند عتبة منزله، بين الإصابة والاعتقال، بين الدم والأسر، بين ذاكرة الجدران وهمجية العابرين.
التقطت صورة ليزن وهو ملقى، الدم كان صوته، والعيون التي رآها من حوله كانت تخاف عليه، لكن لا تملك إلا الدموع، سيارات الإسعاف كانت هناك، ترى النزف، تسمع الأنين، لكنها تمنع من التقدم، لأن الاحتلال يمنع كل شيء حتى تلك الإسعاف التي تميزها علامة فارقة.
ساهر عودة، والد يزن، يتحدث بصوت الحزن، قال ان جنود الاحتلال لم يكتفوا بيزن، بل ضربوه هو نفسه، وأولاده الآخرين واعتقلوا ابنه الآخر، غسان، ودمروا البيت وعاثوا فيه فسادا.
البيت الذي كان ملاذا لأحلام صغيرة، أصبح مشهدا للحطام والذاكرة نزفت هي الأخرى.
فادي عودة، عم يزن، يسكن في ذات البناية، ويحمل في عينيه مرآة لحكاية من الألم قال إن والده الطاعن في العمر، الذي يتجاوز الثمانين عاما، لم يسلم من وحشية جنود الاحتلال، فقد ضرب على رأسه، وكأن الشيخوخة لا تعفي الإنسان من قسوة الاحتلال.
ما إن انسحبت قوات الاحتلال، حتى اندفع الجيران كما يندفع الضوء بعد ليلة حالكة، لكنهم لم يجدوا الصباح، بل وجدوا رائحة البارود والدم، الخراب في كل مكان، والنوافذ تطل على وجع جديد والسيارات المحطمة كانت تصرخ بلغة الحديد.
في نابلس، لا ينتهي الاحتلال عند انسحابه، بل يبدأ من هناك حيث يمكن للرصاصة أن تغير قدر المدينة، ويمكن للطفولة أن تستيقظ على إصابة أخ أو أسر أب.
يقول خالد عودة عودة: “يزن ليس اسما فقط، بل مرآة لوجع فلسطيني مستمر، لجرح لا يريد أن يغلق، ولحكاية تكتب كل يوم بدم جديد”.
