رام الله- الحياة الجديدة- نغم التميمي- بصوتٍ يملأه الحزن ويمزق…
رام الله- الحياة الجديدة- نغم التميمي- بصوتٍ يملأه الحزن ويمزق سكون المكان، خرجت صرخة أم مكلومة، تزلزلت لها القلوب، حين رأت فلذة كبدها مسجى بلا حراك شهيدا ارتقى، وترك خلفه قلبا لا يطيق الفقد، ودموعا لا تجف في مشهد وداع الشهيد مالك علي حطاب (19 عاما) الذي استشهد مساء الإثنين متأثرا بإصابته برصاص قوات الاحتلال في مخيم الجلزون شمال رام الله.
في مشهد مؤثر لا يُنسى، انطلقت صرخة أمه المكلومة لحظة وصول جثمانه، صرخة خرجت من أعماق قلب نزف الفقد، لتخترق صمت الحاضرين وتخلد ألما لا يُوصف. ركضت نحوه، احتضنته كما كانت تفعل في طفولته، وبكت بكاء من خسر كل شيء، كل الحكايات، كل الأحلام.
رددت والدته آية حطاب اسمه مرارا وتكرارا كأنها ترفض التصديق وتظن بأنه سيجيبها، مسحت على وجهه بيدين مرتجفتين، تنثر عليه دموعها كما كانت تفعل في طفولته حين كان يبكي من ألم صغير وتقول: (يما مغلاك يما مغلاك).
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأت الجموع تتقاطر نحو بيت الشهيد، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، كلهم يحملون الحزن ذاته، والوجع ذاته. كان الصمت يلف المكان، ثم صوت التهليل، وآيات من القرآن تتردد من مكبرات الصوت، ممزوجة بأنين الأمهات ودموع الرفاق.
مع رفع الجثمان على الأكتاف، تحول الصمت إلى موجة هادرة من الهتافات الوطنية.
زفوه كما يُزف العريس…
غُطي جسده بالعلم، وتقدمه أطفال يحملون صوره، ونساء يزغردن بين الدموع، كأنهن يحاولن التمسك بجزء من الفرح، حتى لو كان في وداع من أحببن. مشى المشيعون به ببطء، كأنهم لا يريدون للرحلة الأخيرة أن تنتهي.
وسط الزحام، كان يقف هناك، كالصخر لكنه كان ينهار من الداخل، الأب الذي لطالما علم ابنه معنى الصبر والرجولة، وقف عند رأس الجثمان، لا يبكي ولكن الدمع كان في عينيه متجمدا، يحبس كل شيء في داخله. مد يده نحو وجه ابنه المسجى، مسح عليه بلطف، كأنه يحاول أن يوقظه.
يقول علي حطاب والد الشهيد مالك: كان كل شيء هادئا نسبيا داخل المخيم، كما تعودوا على هدوءٍ هش، سرعان ما ينكسر.
كان مالك حطاب جالسا مع بعض الأصدقاء، حين انقطعت الكهرباء فجأة. نهض الشباب تلقائيا، وخرجوا إلى الأزقة الضيقة، يبحثون عن السبب، كعادتهم كلما تعرض المخيم لعطل أو انقطاع.
لكن ما لم يتوقعوه هو أن يكون الظلام فخا منصوبا.
يقول الأب وصوته يرتجف كأن الكلمات تنزف معه: “ما كنا نعرف إنه فيه جنود متخفيين ببيت داخل المخيم أول ما تحركوا الشباب، انهال الرصاص فجأة. صرنا نسمع الطلقات تتطاير، والصراخ يعم المكان”.
في لحظة، سقط مالك.
ثلاث رصاصات اخترقت جسده الغض، استقرت في بطنه، بينما سقط إلى جانبه شابان آخران، أحدهما أُصيب في اليد، والآخر في الركبة. لكن مالك كان ينزف بصمت، مطروحا على الأرض لمدة لا تقل عن عشرين دقيقة.
منذ لحظة استشهاده، خيم الصمت على المخيم، لكنه لم يكن صمت راحة بل صمت وجع، صمت غياب.
الأزقة التي لطالما شهدت خطوات مالك، بدت فجأة ضيقة، خانقة.
المنازل أغلقت نوافذها، والقلوب فُتحت على وجع لا يُوصف، الأطفال ساروا خلف صورته، والنساء وقفت عند الأبواب يضعن أيديهن على قلوبهن، وكأنهن يودعن ابنا لهن جميعا.
الدمع سال في كل زاوية، والكوفيات السود لفت الأكتاف، حتى الهواء صار أثقل من أن يُتنفس.
يقول أحد الجيران، بعينين دامعتين: “مالك مش بس شهيد، مالك كان ابن الكل كان ضحكته تسبق خطواته، واليوم المخيم كله ساكت، كأنو نفسُه انقطع”.
في مخيم اعتاد على توديع أبنائه الأبطال، يُكتب فصل جديد من الحكاية حكاية شعب لا ينسى شهداءه، ولا يرضى أن تُدفن قضاياه.
