القدس – إعلام اللجنة الأولمبية: في عالم الشطرنج الفلسطيني، يبرز…
القدس – إعلام اللجنة الأولمبية: في عالم الشطرنج الفلسطيني، يبرز اسم تقوى الحموري كأحد ألمع الأسماء التي رفعت راية فلسطين في المحافل الدولية. هذه الشابة الطموحة من مدينة الخليل لم تكن مجرد لاعبة شطرنج، بل أضحت رمزا للتحدي والمثابرة، تحمل حلما يتجاوز تحقيق الألقاب إلى ترسيخ مكانة شطرنج فلسطين في المحافل الدولية.
بدأت تقوى الحموري رحلتها مع الشطرنج عندما كانت طفلة في الثامنة، وكانت تراقب والدها وهو يلعب، فتملّكها الشغف باللعبة الذهنية، وطلبت منه أن يعلمها أساسياتها، ولم يبخل عليها بالدعم والتشجيع، فكانت تلك اللحظة البداية الحقيقية لمسيرتها التي ستصبح فيما بعد مليئة بالإنجازات.
بعد اكتشاف موهبتها، التحقت تقوى بدورة تدريبية بإشراف المدرب الدولي محمد القواسمي، وصُقلت مهاراتها وتعلمت أسس التفكير الاستراتيجي والتخطيط في اللعبة، واستمرت في التدريب عدة سنوات، ثم انتقلت لمرحلة جديدة من التطوير بإشراف المدرب الدولي حسام التكروري، الذي ساهم في رفع مستواها الفني ومهاراتها التكتيكية.
بالنسبة لتقوى، الشطرنج ليست مجرد رياضة، بل مدرسة في الحياة، فقد علمتها الصبر والانضباط والتحكم في المشاعر، فكل نقلة واحدة خاطئة قد تهدم أربعين نقلة صحيحة سبقتها، وجعلها ذلك تفكر بمرونة وإبداع، حيث لا يكفي الحل الواحد لمواجهة التحديات، بل يجب أن تكون هناك خطط متعددة واستراتيجيات بديلة.
أكثر ما تحبه تقوى في الشطرنج روح المنافسة وجو البطولات، وخاصة البطولات الخارجية، التي تتيح لها فرصة التعرف على لاعبين من مختلف أنحاء العالم، حيث يجمعهم حب اللعبة، رغم اختلاف الثقافات واللغات.
كانت أولى مشاركاتها التنافسية في بطولات المدارس في الخليل، وحققت المركز الأول على مستوى مدارس الخليل عاميّ 2015 و2016. لم تكتفِ بذلك، فقد أرادت اختبار مستواها على نطاق أوسع، فشاركت في أول بطولة رسمية لها على مستوى الوطن، وهي بطولة فلسطين للفئات العمرية 2017 في جنين.
وشكلت تلك التجربة حدثاً مفصلياً، والتقت بلاعبات من مختلف المدن، ووجدت نفسها في أجواء تنافسية حقيقية. ورغم حداثة تجربتها، تمكنت من تحقيق المركز الثاني على مستوى فلسطين في منافسات تحت 12 عاماً، لكن المركز الأول وحده كان يؤهل للمشاركة في بطولة العرب.
لم تيأس تقوى، بل واصلت العمل بجد، لتكرر الإنجاز ذاته في بطولة 2018، قبل أن تحقق حلمها في 2019 بالفوز بلقب بطلة فلسطين تحت 14 عاماً، وهو ما أهلها لتمثيل فلسطين في بطولة العرب التي جرت في عمّان.
منذ أن أصبحت بطلة لفلسطين، فُتحت أمام تقوى أبواب المشاركات الدولية، فحملت اسم بلادها في العديد من البطولات العربية والعالمية، ومن أبرزها بطولة سيدات العرب، بطولة فئات العرب تحت 16 عاماً، أولمبياد الشطرنج العالمي، بطولة الشارقة ماسترز للشطرنج، دورة الألعاب العربية، وغيرها من الاستحقاقات.
حققت تقوى إنجازات نوعية رفعت من مستوى الشطرنج الفلسطيني، وكان من أبرزها، تتويجها بذهبية بطولة العرب للشطرنج الخاطف تحت 20 عاماً، وبرونزية العرب تحت 18 عاماً في الشطرنج الكلاسيكي لتصعد 64 نقطة في التصنيف الدولي الكلاسيكي، و74 نقطة في التصنيف الخاطف.
إضافة لذلك، حققت تقوى 7.5/10 نقطة في أولمبياد الهند 2022، ما رفع رصيدها إلى 165 نقطة في تصنيفها الدولي، وحصلت على لقبيّ WCM وWFM، وكانت ثاني أكثر لاعبة في العالم تحقيقا للنقاط في البطولة.
وضاعفت تقوى رصيدها الدولي بـ 44 نقطة من أدائها المتميز في بطولة الشارقة ماسترز 2023، و221 نقطة بالشطرنج السريع في دورة الألعاب العربية من العام نفسه.
بالنسبة لتقوى، لم تكن مشاركاتها في البطولات مجرد منافسات رياضية، بل كانت شكلا من أشكال المقاومة الثقافية، ففي كل بطولة، كانت تحمل رسالة بأن الشعب الفلسطيني قادر على الإبداع والتفوق رغم الظروف الصعبة، فقد كانت فخورة برؤية المنتخبات المتنافسة تتفاعل معها وتعبّر عن تضامنها مع فلسطين.
ومن أبرز اللحظات التي تأثرت بها، كانت خلال أولمبياد الهند 2022، حين لفتت زميلتها الصغيرة رندة سدر 8 سنوات، أنظار العالم كونها أصغر مشاركة، وكان الجميع في البطولة يتحدث عن فلسطين ويعبر عن دعمه للقضية الفلسطينية.
رغم كل ما حققته، لا تزال تقوى تضع أمامها أهدافا أكبر، فهي تطمح للحصول على لقب بطلة العالم الكبرى للسيدات WGM لتصبح أول فلسطينية تحقق هذا الإنجاز، والفوز بلقب بطولة العالم للفئات العمرية، وبطولة سيدات العرب.
تدرك تقوى أن نجاحها لم يكن ليتحقق لولا دعم عائلتها، التي وقفت بجانبها، فكانت والدتها ووالدها دائما السند والمحفّز الأول لها، وشكرت مدربيّها محمد القواسمي وحسام التكروري، اللذيّن لعبا دورا أساسيا في صقل مهاراتها وتطوير مستواها، دون أن تنسى فضل الاتحاد الفلسطيني للشطرنج، الذي دعمها ومنحها الفرصة للمشاركة في البطولات الخارجية، ما ساعدها على التطور وتحقيق الإنجازات.
تقوى الحموري ليست مجرد لاعبة شطرنج، بل هي مثال للشباب الفلسطيني الطموح، الذي يسعى لتحقيق المستحيل رغم التحديات، فمن خلال اجتهادها وإصرارها، استطاعت أن تكون سفيرة لفلسطين في عالم الشطرنج، وهي ماضية في طريقها لتحقيق المزيد من الإنجازات، لترفع اسم بلادها عاليا في ميادين الشطرنج الدولية.
