الذكاء الاصطناعي يُغيّر الاحتيال العاطفي… “لقاح” رقمي جديد!
رسالة مكتوبة بلغة سليمة، صور تبدو متسقة مع هوية صاحبها، ومكالمة فيديو يظهر فيها الشخص نفسه. كل هذه العناصر قد تعزز الثقة بعلاقة بدأت عبر الإنترنت، إلا أن الذكاء الاصطناعي جعل الاعتماد عليها لكشف الاحتيال أكثر صعوبة.
يستطيع المحتالون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج رسائل مقنعة وصور وهويات مزيفة، فيما تتيح تقنيات التزييف العميق تغيير الوجه والصوت حتى أثناء المحادثات. النتيجة أن بعض الإشارات التي كان المستخدم يعتمد عليها لاكتشاف الخداع أصبحت أقل فاعلية.
هذا التحول تناولته مجلة “Scientific American” في تقرير نشرته في 30 أيلول (سبتمبر) 2026، من خلال مقابلة مع فانغتشو وانغ، الأستاذة المساعدة في علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة تكساس في أرلينغتون، التي تدرس الجرائم المالية والاحتيال عبر الإنترنت.
من العلاقة العاطفية إلى منصة استثمار مزيفة
يقوم الاحتيال العاطفي عبر الإنترنت على استخدام هويات مزيفة وبناء علاقة قائمة على الثقة قبل الوصول إلى استغلال الضحية مالياً. وتشير وانغ إلى أن هذا النوع من الاحتيال تطور في السنوات الأخيرة نحو عمليات أكثر تنظيماً ترتبط بالعملات المشفرة والاستثمار.
يبدأ المحتال ببناء الثقة، ثم يحاول إقناع الضحية بالدخول إلى منصة استثمار احتيالية، مستخدماً فكرة بناء مستقبل مشترك وجمع الأموال معاً. وفي الواقع، تكون المنصة مزيفة ومصممة لاستدراج الضحية إلى تحويل أموالها إلى المحتالين.
وترى وانغ أن الاحتيال العاطفي يتطور باتجاه عمليات أقرب إلى الجريمة المنظمة أو جرائم ذوي الياقات البيضاء، مع استهداف ضحايا في أنحاء مختلفة من العالم.
الذكاء الاصطناعي يجعل الخداع أكثر إقناعاً
دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذه العمليات عبر تسهيل إنتاج رسائل مقنعة، إلى جانب إنشاء صور وهويات مزيفة. وتبحث وانغ أيضاً في قدرة الأشخاص على التعرف إلى التلاعب، سواء كان المحتوى المخادع من صنع إنسان أو مولداً بالذكاء الاصطناعي.
هذا التطور أضعف بعض العلامات التقليدية التي اعتاد المستخدمون الاعتماد عليها. الأخطاء النحوية أو اللغة الإنكليزية الركيكة لم تعد مؤشراً كافياً، لأن المحتال يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج نصوص سليمة تشبه لغة المتحدثين الأصليين.
الصور ومكالمات الفيديو ليست دليلاً حاسماً
تقترح وانغ مراقبة مدى اتساق الصور ومقاطع الفيديو مع هوية الشخص وروايته، إلا أنها تشير إلى صعوبة الاعتماد على ذلك وحده، لأن التزييف العميق يستطيع مساعدة المحتالين على إنشاء صور ومقاطع فيديو متسقة.
حتى مكالمات الفيديو والصوت المباشرة، التي توصي وانغ باستخدامها عند التواصل مع غرباء لفترات طويلة، تواجه التحدي نفسه. يمكن للمحتالين استخدام برامج التزييف العميق داخل منصات المحادثة لتغيير الوجه أو الصوت.
لهذا يصبح القضاء تماماً على فرص التعرض للاحتيال عبر الإنترنت، وخصوصاً على تطبيقات المواعدة، أمراً شديد الصعوبة.
“لقاح” لمواجهة أساليب المحتالين
تعمل وانغ على مشروع وقائي يقوم على فكرة تشبه “اللقاح”. بدلاً من الاكتفاء بإخبار الأشخاص بوجود عمليات احتيال، يجري تعريفهم مسبقاً بأمثلة مخففة من أساليب الإقناع التي يستخدمها المحتالون، مع شرح كيفية عمل هذه الأساليب.
الهدف هو مساعدة المستخدمين على التعرف إلى تقنيات التلاعب ومقاومتها عندما يواجهونها في علاقة حقيقية عبر الإنترنت.
وتشير أبحاث وانغ، التي لا تزال قيد التنفيذ، إلى صعوبة تحويل الوعي العام بالاحتيال إلى قدرة فعلية على مقاومته. قد يعرف الشخص علامات الخطر نظرياً، لكنه قد يجد صعوبة في اكتشافها أثناء محادثة حقيقية مع محتال.
كما ترى أن إثارة الخوف وحدها ليست الآلية الأهم للحماية، وأن رسائل الوقاية ينبغي أن تعلّم المستخدم كيف يبدو التلاعب والإقناع داخل المحادثات وما الذي يمكن فعله عند ظهور إشارات مقلقة.
وتوصي وانغ أيضاً بمناقشة العلاقات أو المحادثات المشبوهة مع الأصدقاء أو أفراد العائلة وعدم البقاء بمعزل عن الآخرين. وتشدد على أن مسؤولية الوقاية لا تقع على الضحايا وعائلاتهم وحدهم، إذ تؤدي تطبيقات المواعدة وشركات التواصل الاجتماعي والمؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون أدواراً مهمة في جعل تنفيذ عمليات الاحتيال أكثر صعوبة.
