العلوم والتكنولوجيا

“7 أكتوبر” وحرب السرديات: من أين تبدأ الحكاية؟

0 0
Read Time:5 Minute, 24 Second

لم يكن الخلاف حول هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 خلافاً على الوقائع وحدها، بل على “نقطة البداية التي تُروى منها الوقائع”: أسفر هجوم “حماس” وأخواتها على جنوب إسرائيل عن مقتل نحو 1200 شخص وأخذ 251 رهينة، لكن السرديات التي تشكّلت بعده اختلفت في السؤال الأهم: هل تبدأ الحكاية في ذلك الصباح، أم قبله بعقود من الاحتلال والنكبة والحصار؟ فاختيار البداية ليس تفصيلاً؛ لأنه يحدد مَن يظهر معتدياً، ومَن يُقدَّم بوصفه صاحب ردّ مشروع.

 

فلسطين والعرب: مشروعة ولكن!

في السردية الفلسطينية المؤيدة للهجوم، لا يبدأ التاريخ عند حدود غزة في 7 أكتوبر، بل يعود إلى الانتداب البريطاني، ثم نكبة 1948 واحتلال 1967 وحصار غزة منذ 2007. ومن هذا المنظور، قُدّمت عملية “طوفان الأقصى” بوصفها حلقة في مسار مقاومة وتحرر. أما “فتح”، فحافظت على سردية واحدة: “الهجوم الذي قضى على حلم الدولة الفلسطينية”.

عربياً، انعكس هذا الإطار بقوة في الرأي العام. ففي استطلاع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات شمل 8000 شخص في 16 مجتمعاً عربياً، وصف 67% الهجوم بأنه “عملية مقاومة مشروعة”، ورآه 19% مشروعاً مع أخطاء جسيمة، مقابل 5% اعتبروه غير مشروع. كما قال 23% إنهم متضامنون مع الفلسطينيين رغم معارضتهم الشديدة لـ”حماس”. رسمياً، تفاوتت العواصم العربية في لغتها، لكنها التقت على وضع “7 أكتوبر” داخل سياق أوسع من الاحتلال وحقوق الفلسطينيين، وعلى رفض استهداف المدنيين والعقاب الجماعي والتهجير. بذلك لم تتطابق الرواية الرسمية العربية مع رواية “حماس”، لكنها رفضت أيضاً اختزال الصراع في صباح واحد.

 

إسرائيل: من هنا نبدأ

إسرائيلياً، كان الاتجاه معاكساً: “7 أكتوبر هو نقطة الصفر”. الهجوم والرهائن والمجازر هي المدخل الذي تُقرأ منه الحرب، مع استدعاء كثيف لذاكرة المحرقة ووعد “لن تتكرر” الذي لم يُحفظ. وحتى داخل إسرائيل ظهرت نقاشات حول حدود هذه المقارنة. فالباحثة تامي هوفمان في المعهد الإسرائيلي للديموقراطية رأت أن فشل الدولة والجيش في حماية المواطنين أعاد بقوة الصلة بين 7 أكتوبر وذاكرة المحرقة، مع التشديد على الفوارق التاريخية والسياسية الكبيرة بين الحدثين.

في الأيام الأولى، بدا الغرب السياسي أقرب إلى هذه البداية الإسرائيلية. أدانت الحكومات الغربية “حماس” وأكدت “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. لكن الإعلام لم يكن كتلة واحدة: جون سيمبسون، محرر الشؤون الدولية في “بي بي سي”، دافع عن امتناع المؤسسة عن استخدام وصف “الإرهابيين” في صوتها التحريري، مع تأكيده أن ما وقع تضمن فظائع ضد المدنيين، معتبراً أن وظيفة المؤسسة عرض الوقائع لا تبني توصيفات الأطراف.

 

الغرب: حدود التحول في الخطاب

لكن مع امتداد الحرب، حدث تحول أهم: “تغيّر موقع السؤال نفسه”. في البدايات، كثيراً ما كان الفلسطيني أو الضيف الناقد لإسرائيل يُستدعى لإدانة “حماس”. لاحقاً، صار المسؤول الإسرائيلي، في عدد متزايد من المقابلات، مطالباً بشرح ما يفعله جيشه، وكيف تُحسب الخسائر، وما الهدف السياسي من الحرب.

بيرس مورغان يقدم أوضح مثال. فقد بقيت إدانته لـ”حماس” صريحة، لكنها لم تعد تؤدي وظيفة تبرير السلوك الإسرائيلي. في مواجهاته مع مسؤولين إسرائيليين، انتقل إلى سؤال التناقض بين القدرة على إعلان أعداد مقاتلي “حماس” الذين قُتلوا وعدم تقديم رقم واضح للأطفال القتلى. هنا، لم يعد التصريح الرسمي كافياً؛ صارت “صدقية التبرير الإسرائيلي نفسها عرضة للاستجواب”. وفي تغطيته اللاحقة، استخدم لغة أشد حيال حجم الدمار، مع إبقاء موقفه من “حماس” ثابتاً. نيك فيراري يمثل تحوّلاً مختلفاً. فهو لم يخرج من موقع المؤيد لإسرائيل، بل تحدث بصفته “صديقاً” لها. بعد مقتل 7 من موظفي “وورلد سنترال كيتشن” في نيسان/أبريل 2024، وصف ما جرى بأنه “لا يمكن الدفاع عنه”، ودعا إلى تعليق موقت لمبيعات السلاح البريطانية لإسرائيل. قوة الموقف جاءت من صدوره من داخل دائرة التعاطف، لا من خصوم إسرائيل التقليديين. أما فريد زكريا وجو سكاربره، فاقترب نقدهما من سؤال المصلحة الإسرائيلية نفسها: هل تحقق العمليات العسكرية هدفاً سياسياً، وهل لدى بنيامين نتنياهو تصور لـ”اليوم التالي”؟ زكريا قال في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 إنه لا يرى خطة سياسية لدى نتنياهو لما بعد الحرب في غزة، فيما انتقد سكاربره مسار الحكومة الإسرائيلية وربط دعمه لإسرائيل بالحاجة إلى شريك إسرائيلي مسؤول. هكذا انتقل النقاش من شرعية الرد إلى جدوى القيادة واستراتيجيتها.

 

اعتراض قومي على الانهيار الأخلاقي

على اليمين الأميركي، ظهر مسار ثالث أشد ارتباطاً بالمصلحة الأميركية. تاكر كارلسون سأل: “ماذا تكسب الولايات المتحدة من دعم إسرائيل، ولماذا تتحمل كلفة حروب لا يرى أنها تخدم الأميركيين؟”. هذا ليس تبنياً بالضرورة للسردية الفلسطينية، بل اعتراض قومي على طبيعة العلاقة والتحالف. واتسع الشرخ داخل اليمين، كما أظهر الخلاف بين كانديس أوينز وبن شابيرو حول إسرائيل وحدود النقد داخل المعسكر المحافظ.

وتكشف شخصيات أخرى درجات مختلفة من التحول، لا “انقلاباً” واحداً. أندرو سوليفان أدان قتل الأطفال وحذّر من الانهيار الأخلاقي للحرب، مع رفضه توصيف الإبادة. أما كريس كومو فشدد على ضرورة الوصول الصحافي المستقل إلى غزة، من دون أن يعني ذلك تخليه عن موقفه الأساسي من “7 أكتوبر”. ويبرز شارلامين ذا غاد في مستوى آخر ضمن طريقة إدارة النقاش. ففي حواره مع بن شابيرو حول توصيف الحرب في غزة، لم يعد الضيف المؤيد لإسرائيل يحتل تلقائياً موقع صاحب التعريف النهائي، بل أصبح مطالباً بشرح تعريفه للإبادة والدفاع عنه. 

هنا يقع التحول الأعمق في المزاج الإعلامي الغربي: لم تختفِ إدانة “7 أكتوبر”، ولم يتحول الإعلام الغربي كتلة واحدة إلى الرواية الفلسطينية. ما تراجع هو قدرة عبارة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” على إنهاء أي نقاش. وهذا يعيدنا إلى سؤال البداية، فحين قال أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن هجمات “حماس” لم تحدث من فراغ، ذكّر بـ56 عاماً من الاحتلال، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مظالم الفلسطينيين لا تبرر هذه الهجمات، كما أن الهجمات لا تبرر العقاب الجماعي للفلسطينيين.

لم ينقلب الغرب كتلة واحدة على السردية الإسرائيلية، ولم تختف إدانة “7 أكتوبر”. ما تغير هو أن عبارة “حق الدفاع عن النفس” فقدت قدرتها على إنهاء أي نقاش. وهكذا، التحول الأعمق في تنافض السرديات لا يكمن في الوقائع فحسب، بل في من يملك الحق في تفسير هذه الوقائع: تبدأ القراءة قبل “7 أكتوبر” لفهم السياق، وتتوقف عند جرائمه لمحاسبتها، ثم تواصل النظر إلى ما بعده من دون منح أي سردية حصانة من السؤال.

 

7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ (تصميم النهار).

7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ (تصميم النهار).

 

7 أكتوبر… زلزال لم ينتهِ – ملف خاص من “النهار”

 

1- نادر عز الدين: 3 سنوات على 7 أكتوبر… زلزال مستمرّ في الشرق الأوسط

2- من القاهرة، عبدالحليم حفينة: حاخامان في روايتين متناقضتين لـ”النهار”… إسرائيل تحمي اليهود أم تهدّدهم؟

3- من غزة، أحمد زقوت: 3 أعوام وعائلته تحت ركام غزة… رامز يحكي لـ”النهار” عن وجع لا ينتهي

4- غوى خيرالله: 7 أكتوبر بعد ثلاث سنوات… ماذا بقي من روايات الساعات الأولى؟

5- أمين حمادة: مسلسل “فوضى” بعد 7 أكتوبر: سلاح إسرائيلي لتبرير الوحشية

6- ماجد كيالي: ما فعل “الطوفان” بالفلسطينيين

7- 3 سنوات على 7 أكتوبر غيّرت المنطقة… ماذا بعد؟

8- غاندي المهتار: 11 سبتمبر و7 أكتوبر: سقوط وهم الحصانة السينمائية

9- اقتصاد إسرائيل تحت ضغط الحرب… صمود مالي بتكلفة متزايدة

 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *