روسيا وأوروبا ـ هل تريد أوروبا استمرار الحرب أم السّلام بشروط؟
تحولت الحرب الروسية ـ الأوكرانية من مواجهة عسكرية تدور على الأراضي الأوكرانية، إلى اختبار مفتوح لشكل الأمن الأوروبي ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب. وفي الوقت الذي تبدو فيه اللهجة الأوروبية، والألمانية خصوصاً، أكثر تشدداً تجاه موسكو، يبرز سؤال مشروع: هل تريد أوروبا استمرار الحرب، أم أنها تبحث عن نهاية لها؟
الموقف الأوروبي الرسمي لا يشير إلى رغبة في استمرار الحرب بحد ذاتها. الاتحاد الأوروبي أعلن دعمه لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات ذات معنى، لكنه في الوقت نفسه يربط السلام بضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا، وبالحفاظ على سيادتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها. ويؤكد أن لأوروبا دوراً مباشراً في أي تسوية مستقبلية تمس أمنها.
أوروبا لا تريد، وفق موقفها المعلن، مجرد وقف لإطلاق النار يعيد إنتاج الأزمة بعد سنوات، ولذلك تراهن على استمرار دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً لتحسين موقعها التفاوضي. وفي المقابل، ترى موسكو أن هذا الدعم يطيل أمد المواجهة ويجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة. وبين الرؤيتين، تتحول الحرب تدريجياً إلى صراع على شكل التسوية المقبلة، وليس فقط على نتائج المعارك في الميدان.
وتكشف عودة الاتصالات الديبلوماسية بين موسكو وبعض العواصم الأوروبية أن قنوات الحوار لم تُغلق بالكامل. فحتى مع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري، تظل هناك حاجة إلى الاتصال المباشر لمنع سوء التقدير وإدارة المخاطر. وهذا يعني أن أوروبا تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: الردع من جهة، والديبلوماسية من جهة أخرى.
أما ألمانيا، فتبدو في قلب هذه المعادلة، فتصاعد لهجة برلين تجاه موسكو يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأمن الألماني والأوروبي لم يعد منفصلاً عن مسار الحرب. لكن التشدد السياسي لا يعني بالضرورة رفض التفاوض؛ بل يمكن قراءته باعتباره محاولة لرفع كلفة التصعيد الروسي وتحسين شروط أي تفاوض مقبل.
المشكلة أن الحرب أصبحت أكثر تعقيداً من أن تنتهي باتفاق سريع، فحتى لو تحقق وقف لإطلاق النار، ستبقى ملفات شائكة: الأراضي، والضمانات الأمنية، والعقوبات، وإعادة الإعمار، ومستقبل العلاقات الروسية ـ الأوروبية، وترتيبات الأمن في القارة. ولهذا فإن السؤال الأوروبي لم يعد فقط: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نمنع عودتها بعد توقفها؟
يبدو أن الرهان الأوروبي على أوكرانيا يتجاوز دعمها في ساحة المعركة، أوروبا تريد تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تُرسم خريطة الأمن الأوروبي من دون مشاركتها.
وقد أكد المجلس الأوروبي أن الحرب الروسية تمثل تحدياً أمنياً أساسياً للاتحاد، ودعا إلى رفع الجاهزية الدفاعية الأوروبية وتعزيز حماية الحدود والبنية التحتية ومواجهة التهديدات الهجينة.
بات متوقعاً تفاوض تحت الضغط، لا سلام سريعاً، ولا حرب بلا سقف زمني واضح. وستحاول أوروبا استخدام الدعم العسكري والاقتصادي كورقة ضغط، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. أما موسكو، فستسعى إلى ضمان أن تعكس أي تسوية رؤيتها للأمن الأوروبي وعلاقاتها مع الغرب.
تحاول أوروبا الوصول إلى سلام بشروط أمنية قابلة للاستمرار، لكن الخلاف الحقيقي مع روسيا يكمن في تعريف هذه الشروط ومن يملك حق تحديدها. ولذلك قد يكون الطريق إلى السلام أطول من مجرد إعلان وقف إطلاق النار؛ فهو يتطلب إعادة ترتيب قواعد الأمن الأوروبي نفسها، وربما إعادة بناء قنوات اتصال روسية ـ أوروبية بعد سنوات من القطيعة والتصعيد.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ورئيس المركز الأوروبي للدراسات ECCI
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
