العلوم والتكنولوجيا

أحمد العوضي ليس الأول… لماذا يشبّه المشاهير النساء بالسيارات؟

0 0
Read Time:3 Minute, 58 Second

لم يكن تصريح الممثل المصري أحمد العوضي عن “الميتسوبيشي والمرسيدس” مجرد زلة لسان عابرة في بودكاست. ففي غضون ساعات قليلة من ظهوره الإعلامي الأخير، تحولت استعارته إلى محاكمة علنية على منصات التواصل الاجتماعي. قرأ الجمهور ما بين السطور فوراً: سيارة قديمة، سيارة جديدة، وعلاقة انتهت لتفسح المجال لأخرى.

ورغم أن العوضي سارع إلى احتواء الأزمة باعتذار راقٍ للفنانة ياسمين عبد العزيز، موضحاً أن حديثه كان توصيفاً لمراحل صعوده المادي والمهني لا علاقاته العاطفية، إلا أن سرعة تأويل الجمهور لتصريحه تطرح سؤالاً ثقافياً أعمق: لماذا تبدو استعارة “السيارة” جاهزة دائماً في أذهاننا، ومبرمجة لُغوياً لتُفهم كإحالة مباشرة للمرأة أو الشريك؟

 

 

 

أحمد العوضي داخل سيارته (سوشيال ميديا)

أحمد العوضي داخل سيارته (سوشيال ميديا)

ليس مجرد “ترند”.. إنه قاموس ثقافي متكامل

المفارقة أن العوضي لم يخترع هذا القاموس من العدم، بل دخل من دون أن يشعر إلى قاموس ثقافي ذكوري متجذر السيارة حاضرة منذ سنوات طويلة في اللغة الشعبية التي تتحدث عن الحب والرغبة والاختيار والانفصال. لكن اللافت هو أن هذه الاستعارة تظهر بأشكال مختلفة جداً: مرة باعتبار السيارة مقياساً للقيمة، ومرة باعتبار العلاقة “تجربة قيادة”، ومرة باعتبار المرأة شيئاً يحتاج إلى الصيانة، ومرة باعتبار الشريك السابق نموذجاً يمكن استبداله بنموذج أحدث! 

 

 

ستيف هارفي (سوشيال ميديا)

ستيف هارفي (سوشيال ميديا)

من “تجربة القيادة” إلى السيارة العائلية

هذا الاستسهال في تشييء العلاقات لا يقتصر على العالم العربي على غرار استخدامه من قبل قصي خولي في المقارنة بين فنانات زميلات، بل يمتد عالمياً ليأخذ أشكالاً أكثر وضوحاً وفجاجة أحياناً.

الكاتب والكوميديان الأميركي ستيف هارفي، على سبيل المثال، صكّ مصطلح “تجربة القيادة” (Test Drive) في برامجه وكتبه الإرشادية لوصف مرحلة التعارف والمواعدة. الاستعارة هنا تنقل العلاقة العاطفية من مساحتها الإنسانية لتضعها على “مضمار اختبار”؛ التجربة أولاً، ثم تقييم الأداء، وصولاً إلى قرار الشراء أو التخلي.

أما النجم الكوميدي الأميركي تيم ألين، فقد لخص هذا الموروث في نكتة كلاسيكية شهيرة حين قال: “النساء مثل السيارات: كلنا نريد فيراري، وأحياناً نريد شاحنة، وفي النهاية ينتهي بنا الأمر بسيارة عائلية”. ورغم القالب الكوميدي، إلا أن الجملة تلغي تماماً المسافة الفاصلة بين الإنسان والسلعة، وتحوّل الرجل إلى “مستهلك” تتبدل خياراته وفقاً لاحتياجاته المرحلية.

 

 

 

 

“انقلاب السحر”.. المرأة تستخدم السلاح ذاته!

في كانون الثاني (يناير) 2023، قدمت الكولومبية شاكيرا النموذج الأبرز لـ “الانتقام العاطفي” عبر أغنيتها مع المنتج الأرجنتيني Bizarrap. لم تترك شاكيرا مساحة للغموض حين قزّمت الشريكة الجديدة لطليقها جيرارد بيكيه قائلة: “استبدلتَ سيارة فيراري بسيارة توينغو”.

هنا، لم تعد السيارة مجرد أداة لتوصيف مرحلة، بل تحولت إلى “وحدة قياس للقيمة البشرية”. استخدمت شاكيرا رمزية “الفيراري” (الندرة، الفخامة، والمكانة) لضرب “التوينغو” (الشعبية والمتاحة). ورغم أن الاستعارة صدرت من موقع قوة وهجوم نسائي، إلا أنها، ويا للمفارقة، أعادت إنتاج المنطق الاستهلاكي ذاته: تقييم الأنثى بمقارنتها بعلامة تجارية.

 

 

 

“امتداد الأنا” وتسطيح الحب

لماذا السيارة تحديداً؟ يرى علماء النفس والاجتماع أن السيارة تُمثل في اللاوعي الجمعي “امتداداً للأنا”. إنها تمنح مالكها وهم السيطرة، والقوة، وحرية التخلي. وحين يتم إسقاط هذه الصفات على العلاقات العاطفية، نحن نمارس لاشعورياً ما يُعرف بـ “التشييء” (Objectification)، حيث يُسلب الشريك إرادته واستقلاليته ليتحول إلى “مُمتلَك” يخضع لمزاج المالك.

وذلك بالإضافة إلى ما أسماه عالم الاجتماع زيغمونت باومان بـ “الحب السائل”، حيث طغت عقلية الرأسمالية السريعة على عواطفنا. لقد تبرمجنا على فكرة “الترقية المستمرة” (Upgrading) في هواتفنا وأجهزتنا، وتسربت هذه العدوى إلى قلوبنا. أصبح التخلي أسهل من الإصلاح، واستبدال الشريك يبدو، لغوياً على الأقل، كأنه استبدال مركبة لم تعد تناسب “المكانة الجديدة”.

 

السيارة كمرآة للرجولة أيضاً

ثمة جانب آخر يستحق التوقف عنده. السيارة في كثير من الثقافات ليست مجرد شيء يملكه الرجل، بل جزء من صورته عن نفسه. السيارة السريعة تعني القوة. الفاخرة تعني النجاح. النادرة تعني التميز. والقدرة على القيادة تعني، في بعض الخطابات التقليدية، السيطرة والاستقلال.

ولهذا وجدت الدراسات التي تناولت ثقافة السيارات ارتباطاً بين السيارات وبين تصورات معينة عن الرجولة والهيمنة والمكانة الاجتماعية. وتذهب إحدى الدراسات إلى أن بعض صور ثقافة السيارات على الإنترنت تستخدم المرأة والسيارة كرمزين متبادلين ضمن خطاب يربط الرجولة بالسيطرة والقدرة على الاختيار.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تكون استعارة السيارة مغرية لبعض المشاهير عندما يتحدثون عن الحب: فهي لا تصف العلاقة فقط، بل تسمح للمتحدث بأن يتحدث أيضاً عن نفسه ومكانته وتحولاته.

 

 

 

نقطة إيجابية أخيراً

ما أثبتته أزمة أحمد العوضي الأخيرة واعتذاره السريع، وضمن إيجابية شبه نادرة على شبكات التواصل الاجتماعي، هو أن الوعي الجمعي، لا سيما في الفضاء الرقمي، تطور بشكل ملحوظ. لم يعد الجمهور متسامحاً مع تمرير لغة “التسليع” تحت غطاء الدردشة العفوية أو الكوميديا بحق المرأة. الإنسان ليس مركبة للقيادة، ونهايات الحب مهما كانت قاسية، هي تجارب بشرية معقدة لا يمكن، ولا ينبغي، اختزالها في حسابات “المعارض” وفروق “الموديلات”.

ولا سيما أن قصة العوضي لا تتعلق بالسيارات بقدر ما تتعلق باللغة التي نستخدمها عندما نحاول تفسير العلاقات بعد انتهائها. لماذا نحتاج إلى القول إن شخصاً “أقل” من شخص آخر؟ لماذا نصف الماضي بأنه “موديل قديم” والحاضر بأنه “ترقية”؟ ولماذا تبدو مفردات السوق والسيارات والاستهلاك مناسبة إلى هذا الحد للحديث عن الحب؟

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *