هكذا تتقدم سوريا والتحديات التي تفرضها
توالت في الايام الاخيرة الرسائل التي وجهتها تطورات الوضع في سوريا والتي تمثلت في شكل خاص في رفع اسم سوريا عن لائحة الدول الراعية للارهاب بعد 47 عاماً من تصنيفها على هذه اللائحة على نحو سيفتح افاقا هائلة امام سوريا يرى مراقبون كثر انه يجدر بلبنان الوقوف عندها مليا وبعمق ومناقشة تداعياتها على لبنان وكيفية مواكبة ما سيحصل في سوريا التي تستعيد بريقا كان اخذه لبنان بالنيابة عنها طوال هذه المدة .
لا ينتبه المسؤولون مثلا الى ان نسبة النمو في سوريا هذه السنة تتجاوز 10 في المئة ومرشحة للزيادة السنة المقبلة فيما لبنان يتعثر ويماطل في حل اموره الاقتصادية ويعجز او بالاحرى يناور في حل ازمة قطاع مصرفي يعرف القاصي والداني انه لن يستعيد اي ثقة اذا استولى على اموال الناس وفق ما يستمر في القيام بذلك . ستنتعش سوريا وستستدرج اسواقها الواسعة استثمارات كبيرة تقدم منافع اكثر مما يمكن ان يقدمها لبنان الذي بنى الكثير في العقود الماضية على قاعدة العقوبات التي فرضت على سوريا فشكل لها متنفسا كانت في اشد الحاجة اليه على مستويات عدة، فيما ان ما يحصل في جواره القريب والابعد يشكل تحديا هائلا اذا ظل قاصرا، بفعل تداعيات حرب تشله ، عن المواكبة الموضوعية العملانية للتطورات الاقليمية. فما حصل ويحصل في سوريا لا يعني الدولة اللبنانية فحسب بل كافة الطوائف من جهة وكافة القطاعات من جهة اخرى فيما ان لا حوار داخليا يقوم على اي مستوى للاستعداد لمرحلة جديدة تعد لكي ترسم معالم مستقبل المنطقة لعقود عدة اتية.
احدى الرسائل الاخرى والتي تصيب عدة اتجاهات ايضا تتصل بما اعلنته قسد من حل قوات سوريا الديموقراطية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية والتي تستهدف اتجاهين: الاول ما يتعلق بكل اصحاب الافكار ان الفيدرالية وما شابه بان الامر لن يكون متاحا اطلاقا اقله في المدى المنظور وحتمية الاقلاع عن هذه الفكرة التي ستظل سرابا في ظل التحوّل التاريخي الذي يترجمه الاكراد في سوريا علما ان هذا الاتجاه كان تم الاعداد له قبل مدة . والاتجاه الاخر يطاول “حزب الله” من حيث ان المعارضة التي يقودها ضد سيادة الدولة وحصرية سلطتها ايلة الى الفشل بناء على الاستنتاج نفسه علما ان المؤشرات المتعلقة به اكثر واوسع واكثر تعقيدا من ان تقتصر على حل قوات سوريا الديموقراطية. ولكن ذلك لا يمكن دحض اتجاهاته فيما ان حركة “حماس” وافقت كذلك على تسليم سلاحها وفيما ان العراق كذلك يخوض غمار حصرية السلاح لا سيما بعد انهاء القوات الاميركية اي وجود لها في العراق ما يسحب الذرائع عن الحاجة الى سلاح ” شيعي” موازي لمقاومة وجود اجنبي او اميركي والتسليم بسلاح الدولة ذات الغالبية الشيعية كذلك.
وثمة اقتناع يسود منذ بعض الوقت بان لا امكانا بعد الان للتنظيمات والمليشيات الموازية للدول او تضعفها في المنطقة ولكن هذا الاقتناع بدأ يشهد ترجمة متدرجة له ولو ان البعض يعتقد ان المسار اللبناني اصعب نتيجة استقواء إيران وتشددها اكثر في المحافظة على نفوذها في لبنان بالاضافة الى ضعف الدولة وغياب قرارها الموحد في هذا الاطار فيما انها لا تتقدم بانجازات ملموسة على مستويات وصعد اخرى تتعلق باعادة وضع بناء الدولة على السكة الصحيحة والسليمة بالسرعة المطلوبة.
ولئلا يبقى الكلام عموميا ثمة انتقادات كثيرة تتصل بعدم حصول التغيير المرجو ولو ان العهد الجديد بدأ على قاعدة انه يسعى الى نقض عقود من الممارسات السياسية التقليدية التي لم تحم لبنان او تساهم في بنائه وانه يحظى بدعم خارجي كبير يماثل الى حد معقول ذلك الذي تحظى به سوريا الجديدة ، ولكن يعتقد كثر ان هذه الاخيرة توظف ذلك افضل مما يفعل لبنان، حتى لو ان الواقع السوري يبقى غير مثالي انما مؤشراته مشجعة الى حد كبير على عكس الواقع اللبناني المشدود بين الصين اسرائيلي وايراني بتعقيدات يخشى ان تكون طويلة وتتجاوز تفاصيل الحرب اليومية في الجنوب اللبناني.
اين لبنان من التغييرات الكبيرة في الجوار المباشر وفي المنطقة؟
تفاءل كثر بالوفد الامارتي الكبير الذي زار لبنان لا سيما اذا كان سيدحض الاعتقاد الواسع بان لا استثمارات محتملة او انفتاح خارجي اقتصادي محتمل قبل انتهاء الحرب في لبنان وبالشكل الذي يؤمن استعادة الدولة كامل سيادتها وسلطتها على اراضيها واذا كان سيشكل طلائع الانفتاح والعودة الخارجية لا سيما الخليجية الى لبنان. ولكن المسألة اكثر تعقيدا وتطاول قدرة لبنان على فرض وايجاد موقع لنفسه من ضمن الترتيبات السياسية الأوسع التي تتشكل تدريجياً من حوله مع الاخذ في الاعتبار الترتيبات الامنية بين سوريا واسرائيل والعلاقات المعقدة على مستوى المنطقة من تركيا الى دول الخليج وصولا الى اسرائيل وايران والدول الاوروبية كذلك ، على رغم تعويله الاساسي على الولايات المتحدة الاميركية.
[email protected]
