ما بعد الفساد: لماذا يحتاج لبنان قراءةً أعمق لبرنامج صندوق النقد الدولي؟
د. محمد أحمد أبو هميا
يراهن اللبنانيون على برنامج صندوق النقد الدولي لاستعادة مدخراتهم، فيما يبقى سؤالٌ أعمق بلا إجابة: هل يحمل هذا البرنامج ما يمنع تكرار الأزمة نفسها؟
يراقب اللبنانيون اليوم برنامج صندوق النقد الدولي عن كثب، وينتظرون الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ يشغل حديثهم اليومي: متى تعود مدخراتهم، وكم منها سيُستعاد فعلياً؟
ويحمل هذا السؤال ثقلاً إنسانياً مفهوماً؛ فقد خسر كثيرون في ليلةٍ واحدةٍ ثمرة عمرٍ كاملٍ من الادخار، ولا يحتاج قلقهم على مصير هذه الأموال أي تبريرٍ إضافيٍ. لكن هذا البرنامج يحمل في طياته قضيةً أخرى لا تقل خطورةً، تحظى باهتمامٍ أقل بكثير في النقاش الإعلامي والفكري العام؛ فتتصدر برامج الحوار ومقالات الرأي تفاصيل استرداد الودائع وجدولها الزمني، بينما يغيب عن هذا النقاش تقريباً أي تمحيصٍ جادٍ في جوهر البرنامج نفسه، وفيما إذا كان يحمل فعلاً ما يمنع تكرار المسار الذي أوصل هذه الودائع إلى الضياع أصلاً. ويظل هذا الغياب لافتاً، بالنظر إلى حجم المخاطر التي ينطوي عليها، إذ يُناقش البرنامج غالباً بوصفه حلاً مسلماً به، لا نصاً يستحق قراءةً نقديةً تسائل افتراضاته الأساسية قبل أن يُستكمل ويُطبق بكامل تفاصيله.
وقد اعتمد لبنان فعلياً، منذ عام سبعة وتسعين، برنامجاً يحمل تشابهاً يصعب تجاهله مع ركائز البرنامج الحالي، وخضع له لعقدين كاملين قبل أن ينهار. وقد تركت حدة الأزمة، وما جرّته من انزلاق شرائح واسعة من اللبنانيين نحو خط الفقر بين ليلة وضحاها؛ والرأي العام أسير تفسير واحد يحصر الأزمة بالفساد وحده. لا شك في أن الفساد كان حاضراً، وترك أثراً سلبياً حقيقياً لا يمكن إنكاره. لكن الأزمة لم تقع بسبب الفساد وحده، بل لأن النموذج الاقتصادي نفسه قام على أسس هشة منذ البداية، كما أوضحنا بالتفصيل في مقال سابق بعنوان “الانهيار الذي كان يمكن تجنبه: القطاع الخارجي اللبناني الذي لم يُبنَ يوماً”. ويُعدّ تصحيح هذا التصور السائد الخطوةَ الأولى الضرورية قبل الحكم على جدوى أي برنامج إصلاح جديد، إذ إن حصر الأزمة بالفساد وحده يوهم بأن استئصاله كافٍ لمنع تكرارها، بينما يبقى النموذج الاقتصادي نفسه، بضعفه البنيوي، قائماً من دون علاج حقيقي.
ويتناول هذا المقال محورين تحديداً من محاور برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي، ونعتقد أن تطبيقهما، وفق ما وردا في نص البرنامج، سيعيد لبنان إلى الطريق نفسه الذي أوصله إلى انهيار عام تسعة عشر: تخصيص المصارف للموارد بكفاءة، واستعادة الائتمان للقطاع الخاص. ويستحق هذان المحوران تحديداً وقفة متأنية، لأنهما يحملان الصلة الأوثق بجذر الأزمة السابقة، ولأن أي تكرار لهما من دون معالجة ما اعتراهما من قصور سابق سينتج على الأرجح النتيجة نفسها التي أنتجاها من قبل. ويسأل هذا المقال سؤالاً واحداً بشأن كل منهما، يستحق إجابة واضحة، قبل أن يُستكمل التفاوض على البرنامج ككل: ما الذي يضمن أن تختلف النتيجة هذه المرة؟

تخصيص الموارد بكفاءة: حين تُترك المصارف وحدها لا تختار الكفاءة بل الأمان
يفترض الحديث عن تخصيص الموارد بكفاءة أن ثمة آلية تضمن توجيه الأموال نحو الاستخدام الأكثر إنتاجية بين البدائل المتاحة. وقد أُتيحت الفرصة كاملة أمام القطاع المصرفي اللبناني لاختبار هذه الآلية بنفسه بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر، إذ عمل هذا القطاع طوال هذين العقدين تحت استقرار نقدي كامل، وثقة مستمرة من المودعين، وتدفق ودائع ضخم لم ينقطع لسنوات طويلة؛ ولم يكن أمام المصارف اللبنانية أي عائق مؤسسي يمنعها من تمويل الصناعة أو الزراعة التصديرية أو الخدمات القابلة للتصدير، بل توفرت لها كل الظروف التي يُفترض أن تشجع هذا التمويل.
واختارت المصارف، رغم ذلك، أن توجه الجزء الأكبر من محفظتها نحو سندات الدين العام وتوظيفات المصرف المركزي، أدوات قصيرة الأجل، مضمونة العائد، منخفضة المخاطرة نسبياً. ولم يكن هذا الاختيار انحرافاً عن السلوك المصرفي الطبيعي، بل كان تجسيداً دقيقاً له؛ فأي مصرف تجاري يخضع لتقييم دوري متكرر أمام مساهميه، ويكافئ هذا التقييم العائد السريع والمؤكد أكثر مما يكافئ العائد البطيء وغير المضمون، حتى لو كان هذا الأخير أعلى قيمة على المدى الطويل. وتتطلب القروض الإنتاجية الحقيقية، كتمويل مصنع أو مزرعة تصديرية، آجالاً تمتد لسنوات قبل أن تُدرّ عائداً ملموساً، بينما تمنح الأدوات قصيرة الأجل عائداً أسرع وأكثر يقيناً في المقابل. ويميل أي مصرف يوازن بين هذين الخيارين وفق منطقه التجاري البحت إلى تفضيل الخيار الأول، لا لأنه الأكفأ اقتصادياً للمجتمع ككل، بل لأنه الأكثر أماناً لميزانيته الخاصة.
وهذا يكشف حقيقة يغفلها الحديث العام عن كفاءة تخصيص الموارد: الكفاءة من منظور المصرف الفردي ليست بالضرورة الكفاءة من منظور الاقتصاد الوطني. فقد يكون توظيف الأموال في سندات حكومية قصيرة الأجل خياراً كفؤاً تماماً بالنسبة إلى ميزانية مصرف بعينه، بينما يمثل في الوقت نفسه سوء تخصيص فادحاً للموارد على مستوى الاقتصاد ككل، إذ يحرم القطاعات المنتجة القادرة على خلق وظائف وصادرات من التمويل الذي تحتاجه، ويوجه بدلاً من ذلك مدخرات الأمة نحو تمويل استهلاك الدولة الجاري. وقد استمر هذا النمط في لبنان عقدين كاملين، من دون أن يظهر خلالهما أي قطاع تصديري حقيقي أو قاعدة صناعية قادرة على منافسة الأسواق الخارجية، لأن التمويل الذي كان يُفترض أن يبني هذه القاعدة ظل موجهاً في مكان آخر طوال هذه المدة.
لماذا لا يكفي إعلان سعر فائدة: الفارق بين سعر السياسة النقدية وسعر السوق
يقتضي الحديث عن تخصيص الموارد بكفاءة أيضاً وجود سعر فائدة يعكس فعلياً كلفة رأس المال ومخاطر كل قطاع ومشروع على حدة، لا سعراً واحداً مفروضاً إدارياً على الجميع. وتميز الأنظمة المالية المتقدمة، كالنظام البريطاني، تمييزاً واضحاً بين نوعين مختلفين من أسعار الفائدة. يحدد المصرف المركزي سعر الفائدة الأساسي بوصفه أداة سياسة نقدية، بينما تنشأ أسعار الفائدة الفعلية في السوق من تفاعل حقيقي بين المصارف والمؤسسات المالية والشركات والأسر والمستثمرين والحكومة. وتتأثر هذه الأسعار السوقية بسعر السياسة النقدية، لكنها تعكس في الوقت نفسه توقعات التضخم، ومخاطر الائتمان، وظروف السيولة، وأجل الاستحقاق، والمنافسة بين المقرضين، والتوقعات المستقبلية للأوضاع الاقتصادية والمالية. ولا يمكن لسعر فائدة سوقي حقيقي أن ينشأ بقرار إداري بسيط، بل يحتاج أسواقاً مالية عاملة وعميقة بما يكفي لاكتشاف سعر الائتمان الفعلي عبرها.
يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في حالة اقتصاد نامٍ كلبنان؛ فيستطيع المصرف المركزي أن يعلن سعر فائدة أساسياً أو يعدله بسهولة نسبية. لكن هذا الإعلان وحده لا يخلق بالضرورة سعر فائدة سوقياً ذا معنى اقتصادي حقيقي. ويحتاج نشوء سعر سوقي فعلي إلى سوق بنى مصرفية عامل، وسوق نشط لسندات الحكومة بآجال استحقاق متعددة، وسوق وظيفي للائتمان والسندات الخاصة بالشركات، وأسواق ثانوية نشطة، ومعلومات ائتمانية موثوقة، ومنافسة حقيقية بين المؤسسات المالية، وسياسات نقدية ومالية تحظى بمصداقية كافية. وتضاف إلى ذلك أهمية عملة مستقرة وموثوقة نسبياً، إذ تتحول توقعات انخفاض قيمة العملة نفسها إلى مكون رئيسي في سعر الفائدة الذي يطلبه المقرضون تعويضاً عن هذه المخاطرة.
ويمكن توضيح هذه الفكرة بمثال مباشر. فإذا أعلن المصرف المركزي سعر فائدة أساسياً عند ثمانية في المئة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تُقرض المصارف اللبنانية الشركات بسعر عشرة في المئة؛ فإذا توقعت المصارف تضخّماً مرتفعاً، أو انخفاضاً كبيراً في قيمة العملة، أو مخاطر تعثر سيادي، أو ضعفاً في قدرة المقترضين على السداد، أو محدودية في السيولة المتاحة، فقد تطلب فائدة تبلغ عشرين أو خمسة وعشرين في المئة أو أكثر. وفي المقابل، قد يحصل مقترض قوي مالياً ومنخفض المخاطر الائتمانية على تمويل بسعر أقلّ بكثير. وبهذا المعنى، ينبغي أن يعكس سعرُ الإقراض ذو المعنى الاقتصادي الحقيقي كلفة الائتمان ومخاطره الفعلية، لا مجرد السعر الذي يعلنه المصرف المركزي.
وتكشف هذه الحقيقة أن القضية الأعمق ليست ببساطة قدرة لبنان على تحديد سعر فائدة، بل قدرته على بناء نظام مالي قادر على اكتشاف أسعار الفائدة ونقلها والتمييز بينها وفق الظروف الاقتصادية ومستوى المخاطرة. وترتبط هذه القضية ارتباطاً مباشراً بأهمية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتخصيص الموارد المالية بكفاءة. وينبغي ألا يقتصر الهدف على تحديد سعر السياسة النقدية الصحيح، بل أن يمتد إلى بناء أسواق ومؤسسات مالية قادرة على تخصيص الائتمان بكفاءة نحو الاستثمار المنتج وتنمية القطاع الخاص. وقد حافظ لبنان خلال تلك الفترة على استقرار اسمي طويل الأمد في سعر الصرف بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر، من دون أن يبني هذه السوق الجوهرية. ولا يمكن تخصيص الموارد بكفاءة من دونها، ولا يتضمن برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي إشارة إلى كيفية بنائها من دون تدخل وتخطيط حكومي.

تجارب عالمية تؤكد أن الكفاءة لا تُترك للسوق وحدها
لا يقتصر غياب هذه السوق الجوهرية على لبنان وحده، إذ يكشف تاريخ أكثر الأسواق المالية تطوراً في العالم أن تمويل الإنتاج لا يتحقق تلقائياً بمجرد توفر الاستقرار النقدي والمالي، حتى حين تتوفر هذه السوق بالفعل. ففي الولايات المتحدة، حيث تعمل أسواق رأس المال بحرية منذ ما يزيد عن قرن، فرض المشرع على المصارف التزاماً قانونياً صريحاً بموجب قانون إعادة الاستثمار المجتمعي، يقضي بتلبية احتياجات الإقراض في المجتمعات التي تجمع منها ودائعها، بدل الاكتفاء بتوظيف هذه الودائع في مكان آخر أكثر ربحية. وأنشأت الحكومة الأميركية، إلى جانب هذا الإلزام، إدارة متخصصة لضمان جزء من مخاطر القروض التي تمنحها المصارف للشركات الصغيرة والمتوسطة، وأسّست مصرفاً حكومياً مخصصاً لتمويل الصفقات التصديرية التي يتردد التمويل التجاري العادي في تحمل مخاطرها بمفرده. وفي أوروبا، حيث تُعد الأسواق المالية الألمانية من الأعمق والأكثر نضجاً عالمياً، يقدم بنك التعمير الألماني إعادة تمويل بشروط تفضيلية للمصارف التجارية التي تُقرض المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاستثمارات طويلة الأجل، بينما يمنح بنك الاستثمار الأوروبي ضمانات وتمويلاً مباشراً للمشاريع الإنتاجية عبر القارة بأكملها.
وتكمن الدلاللة الحقيقية لهذه التجربة الغربية في التوقيت لا في الأداة نفسها. فقد اختارت هذه الاقتصادات إنشاء آليات تصحيحية، وهي تملك بالفعل أسواقاً مالية عريقة، تُحدّد فيها أسعار الفائدة عبر تفاعل حرّ بين العرض والطلب منذ عقود طويلة، ومؤسسات رقابية راسخة، وقطاعاً مصرفياً يُعدّ من الأكثر تطوراً في العالم. ووجدت هذه الاقتصادات، رغم كل هذا النضج المؤسسي والمالي، أن حوافز السوق وحدها غير كافية لضمان تمويل عادل للإنتاج والمشاريع الصغيرة. وتقدم هذه التجارب دليلاً عملياً على أن الحاجة إلى التصحيح ليست عارضاً يقتصر على الأسواق الناشئة أو غير المكتملة النمو، بل تُعدّ خاصية بنيوية ملازمة لطبيعة النشاط المصرفي نفسه، أياً كان مستوى تطور السوق التي يعمل فيها.
وإذا كانت التجربة الغربية تثبت ضرورة التدخل حتى في أنضج الأسواق المالية، فإن تجربة الأسواق الناشئة، التي تحولت خلال جيل واحد من اقتصادات فقيرة إلى قوى صناعية وتصديرية، تكشف عن الجانب الآخر من الدرس نفسه: الفارق الحاسم بين من بادر إلى هذا التصحيح ومن تركه لحظه؛ ففي الصين، لم تُترك مهمة تمويل التصنيع والبنية التحتية لحسابات الربح القصيرة للمصارف التجارية وحدها، بل أُنشئت بنوك سياسات متخصصة، كبنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني، أوكلت إليها مهمة تمويل المشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد بشروط تفضيلية، بينما استخدم البنك المركزي الصيني أدوات تنظيمية مباشرة، كخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي على المصارف التي توجه حصة محددة من إقراضها نحو الزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. وفي الهند، اعتمد البنك الاحتياطي الهندي منذ سبعينيات القرن الماضي سياسة للإقراض للقطاعات ذات الأولوية، وحدد عام 1980 هدفاً بتوجيه 40% من صافي الائتمان المصرفي المعدل إلى هذه القطاعات، بما فيها الزراعة والمشروعات الصغيرة وغيرها من الأنشطة ذات الأولوية. وأظهرت دراسات اقتصادية متعددة أن هذا الإلزام رفع فعلياً مستوى الاستثمار والنمو لدى منشآت كانت تعاني تاريخياً من صعوبة الوصول إلى التمويل. أما في ماليزيا، فقد أنشأت الدولة منذ مطلع السبعينيات مؤسسة متخصصة لضمان القروض الممنوحة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب سقف تفضيلي لأسعار الفائدة على القروض الموجهة لهذه القطاعات، بما يضمن بقاء كلفة التمويل في متناول المشاريع الإنتاجية الصغيرة التي تشكل عماد الصادرات الوطنية.
ويكتمل الدرس حين تُقرأ التجربتان معاً، لا كل واحدة بمعزل عن الأخرى. فالاقتصادات الغربية أثبتت أن التصحيح ضروري حتى مع اكتمال البنية المالية، بينما أثبتت الأسواق الناشئة أن التصحيح، حين يُبادر إليه مبكراً وبتصميم وطني خاص لا باستيراد وصفة جاهزة من الخارج، هو ما يصنع الفارق بين اقتصاد ينتقل إلى مصاف القوى الصناعية والتصديرية، واقتصاد يظل حبيس القطاعات الريعية منخفضة الإنتاجية. وتفرض هاتان التجربتان معاً استنتاجاً مباشراً لا يجوز تجاهله. إذا أثبتت اقتصادات متقدمة، تملك أسواقاً مالية عميقة الجذور، أن توجيه الائتمان المصرفي حكومياً ضرورة، وإذا أثبتت اقتصادات ناشئة أن المبادرة الوطنية المبكرة إلى هذا التوجيه هي ما صنعت تحولها الصناعي، فإن التدخل الحكومي لتصحيح إخفاقات السوق في اقتصاد كلبنان، يفتقر أصلاً إلى أبسط آليات السوق، يصبح خياراً مشروعاً بل ضرورة أشد إلحاحاً.
الوصول إلى الائتمان: تشخيص اقتصادي لفشل لم يعالجه برنامج الإصلاح بعد
ينص برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه مع صندوق النقد الدولي على ضرورة استعادة الائتمان والوساطة المالية للقطاع الخاص، بوصفه أحد المحاور الأساسية لتحقيق النمو. ويكرر هذا المحور، من دون أن يعترف بذلك صراحة، هدفاً سعى إليه لبنان بالفعل بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر، من دون أن يحقق النتيجة المرجوة منه. ولم يفشل القطاع الخاص اللبناني في تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو مستدام خلال هذين العقدين لسبب واحد، بل لسببين متكاملين، وكلاهما لا يزال غائباً عن نص البرنامج الحالي.
يتعلق السبب الأول بارتفاع سعر الفائدة نفسه، وهو الارتفاع الذي فرضته آلية الدفاع عن سعر الصرف الثابت. فقد احتاج لبنان، للحفاظ على تثبيت الليرة، تدفقاً مستمراً من الدولار، بينما لم يكن قطاعه الخارجي الضعيف والعجز التجاري المزمن يوفران هذا التدفق من التجارة الفعلية. ولم يكن أمام مصرف لبنان، في مواجهة هذه الفجوة، سوى رفع سعر الفائدة لجذب الودائع والاقتراض الخارجي بدلاً من التجارة. وأدى ارتفاع سعر الفائدة هذا إلى رفع الكلفة الحقيقية لرأس المال أمام القطاع الخاص، أي كلفة الاقتراض بعد احتساب أثرها الفعلي على جدوى المشروع، فحد من قدرته على الاقتراض والاستثمار الإنتاجي، لا لأن القطاع الخاص افتقر إلى الطموح، بل لأن هذه الكلفة نفسها كانت تبقيه خارج حسابات الجدوى الاقتصادية لمعظم المشاريع الإنتاجية طويلة الأمد، إذ تجاوزت في الغالب العائد المتوقع من هذه المشاريع. ولا يوضح برنامج الإصلاح الحالي من أين سيحصل لبنان على الدولار اللازم لتثبيت عملته من دون تكرار الاعتماد على الفائدة المرتفعة نفسها، ما دام القطاع الخارجي اللبناني لا يزال ضحلاً، والعجز التجاري لا يزال قائماً.
أما السبب الثاني، فيتعلق بغياب أي دور حكومي في التخطيط الاقتصادي والتدخل المباشر لتطوير القطاع الخارجي، وهو الغياب الذي رافق لبنان طوال هذين العقدين تماماً كما يرافق برنامج الإصلاح الحالي؛ فحتى لو حصل القطاع الخاص على ائتمان بشروط تفضيلية، يميل بطبيعته، كما يميل القطاع المصرفي تماماً، إلى تفضيل الاستثمار قصير الأفق ومنخفض المخاطرة، ويحتاج الاستثمار في الأسواق التصديرية معرفة متراكمة بهذه الأسواق، وخبرة سابقة في المنافسة الدولية، وموارد كافية لتحمل مخاطرة الدخول إلى سوق جديدة، وأفقاً زمنياً طويلاً يسبق تحقق أي عائد ملموس. ولا يملك القطاع الخاص اللبناني، منفرداً، هذه المكونات مجتمعة، ولا يستطيع بناءها من تلقاء نفسه من دون دولة تقود هذه الجهود، وتخطط لها، وتشارك في تحمل أعبائها.
وقد تجلى هذا الواقع بوضوح في نمط الاستثمار الفعلي الذي شهده لبنان طوال هذين العقدين: تركز رأس المال الخاص في العقارات والسياحة والخدمات المحلية، وهي أنشطة لم تكن يوماً كافية لجذب العملة الصعبة بالحجم الذي يحتاجه اقتصاد بأكمله، ولم تكن مستدامة حتى ضمن حدودها الخاصة.
ولا يذكر برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه أي دور حكومي في التخطيط الاقتصادي أو الشراكة مع القطاع الخاص لتطوير القطاع الخارجي؛ وهذا الغياب بالتحديد هو ما غاب أيضاً بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر. فمن دون دولة تقود هذه الشراكة، وتتحمل جزءاً من مخاطرة اكتشاف الأسواق الخارجية، وتوفر المعرفة والبنية التحتية اللازمة لهذا التوسع، سيستمر القطاع الخاص، بمنطقه التجاري البحت، في تفضيل الاستثمار المحلي منخفض المخاطرة، حتى لو مُنح ائتماناً بشروط ميسرة. وهذا يعني أن استعادة الائتمان للقطاع الخاص، من دون معالجة هذين السببين معاً، لن تنتج نمواً مختلفاً عن النمو الذي شهده لبنان بالفعل طوال العقدين السابقين للانهيار.
خاتمة: ما بعد الفساد
لا يكفي استئصال الفساد وحده لتجنيب لبنان تكرار أزمته المالية، مهما بلغت أهمية هذا الاستئصال في ذاته. فقد أظهر هذا المقال أن محورين أساسيين من محاور برنامج الإصلاح الحالي، تخصيص المصارف للموارد بكفاءة واستعادة الائتمان للقطاع الخاص، يكرران هدفين سعى إليهما لبنان بالفعل بين عامي سبعة وتسعين وتسعة عشر، من دون أن يحققا النتيجة التي يعد بها البرنامج الحالي نفسه. ولم يكن الفساد هو ما منع المصارف من تمويل الإنتاج، ولا ما منع القطاع الخاص من التوسع نحو الأسواق الخارجية، بل كانت آلية الدفاع عن سعر الصرف الثابت التي أبقت الفائدة مرتفعة، وغياب أي دور حكومي في التخطيط والتدخل عند نقاط فشل السوق، هما ما حال دون تحويل عقدين من الاستقرار النقدي إلى قاعدة إنتاجية حقيقية.
ويعيد برنامج الإصلاح الجاري التفاوض عليه اليوم طرح هذين المحورين بالصياغة نفسها تقريباً، من دون أن يعالج أياً من السببين اللذين أفشلاهما في السابق. فلا يوضح البرنامج من أين سيحصل لبنان على الدولار اللازم لتثبيت عملته من دون العودة إلى الفائدة المرتفعة نفسها، ولا يذكر أي دور حكومي في قيادة القطاع الخاص نحو الأسواق الخارجية أو تحمل جزء من مخاطرة هذا التوسع. وما دام هذان السببان قائمين من دون معالجة، فلا سبب منطقياً يجعل النتيجة هذه المرة مختلفة عن سابقتها.
ويستدعي هذا الواقع من المؤسسات اللبنانية المعنية، من مجلس النواب إلى الحكومة، مراجعة هذين المحورين تحديداً قبل استكمال التفاوض على البرنامج، بدل الاكتفاء بالتوقيع عليه بصيغته الحالية؛ فإدراج آلية واضحة لتوجيه الائتمان المصرفي نحو الإنتاج، وتحديد الدور الحكومي في بناء قطاع خارجي تنافسي، ليسا تفصيلين فنيين يمكن إرجاؤهما إلى مرحلة لاحقة، بل شرطان أساسيان لضمان ألا يفضي البرنامج، مهما بلغت نجاعته في استعادة الاستقرار النقدي، إلى الدورة نفسها التي انتهت بانهيار عام تسعة عشر.
اللبنانيون لم يقرؤوا عن الأزمات المالية العالمية ترفيهاً، بل خبروا حقيقة الأزمات المالية ومآسيها بالتجربة المباشرة، حين ابتلعت أزمة عام تسعة عشر مدخراتهم بين ليلة وضحاها. وكان يمكن لقطاع خارجي منتج ومتنوع أن يخفف بصورة جوهرية من هشاشة الاقتصاد اللبناني تجاه هذه الصدمة، وأن يقلل من قابلية تكرار الآليات التي قادت إلى هذا الانهيار، لو بُني في وقته بتدخل حكومي فاعل ونشط، لا أن يُنتظر من المصارف والقطاع الخاص وحدهما، من دون توجيه ولا حافز ولا خطة حكومية. ويكفي أن يدفع لبنان هذا الثمن مرة واحدة. فستكون تركة ثقيلة في كتب التاريخ الوطني أن يدفع اللبناني الثمن ذاته، للخطأ نفسه، مرة ثانية. فالحلقة المفرغة التي دخل بها الاقتصاد اللبناني عام تسعة عشر يجب أن تُكسر الآن ومن جذورها.
