غرباء عن أنفسنا: صورةٌ رسمها الآخرون (صور)
تبدأ كرة الثلج صغيرة ثمّ تكبر مع كلّ ما يلتصق بها، حتى تختفي ملامح بدايتها.
يُشبه الإنسان هذه الكرة، فما يحمله اليوم من أفكار، مخاوف وقناعات تتوارث عبر سنوات من الكلمات، التجارب والصور التي يراها ويسمعها من المحيط.
مع تقدّم السنوات قد تبقى بعض هذه الآثار حاضرة حتى بعد أن يتغيّر، فتُؤثّر في نظرته إلى ذاته وفي الخيارات التي يتّخذها.

قواعد نرثها قبل أن نختارها
منذ الطفولة، تتكوّن صورة الإنسان الأولى عن نفسه في كنف العائلة، ثمّ تتبلور مع تقدّمه في العمر وتنوّع تجاربه.
تربط الدكتورة ماي مارون المتخصّصة في علم الاجتماع هذه التركيبة بسلسلة من الدوائر التي تبدأ بالأم، الأب وأفراد الأسرة، ثمّ تمتد إلى المدرسة، الجامعة، المؤسّسات الدينية، وسائل الإعلام، الأصدقاء ومكان العمل.
من خلالها، يتعلّم ما يعتبره المجتمع مقبولاً أو مرفوضاً وما يُتوقَّع منه أن يكون عليه أو يفعله.

تنتقل هذه القواعد من ضغط خارجي إلى رقابة داخلية، فيبدأ بمراجعة خياراته، سلوكه والتفكير في نظرة الآخرين إليه قبل أن يسأل عمّا يريده هو فعلاً.
فالزواج، العمل، أسلوب الحياة والمظهر وحتى القرارات الشخصية قد تُصبح عرضةً لأحكامهم، فيجد أنّه مضطرّ أحياناً إلى تبرير اختياراته.
لا يخلو المجتمع الخبيث من تناقضات وأفكار غير عادلة، ما يعني أنّ شيوع رأي ما لا يجعله صحيحاً، خصوصاً عندما يستند إلى التطرّف أو التمييز.
ومظاهر الانفتاح لا تعني بالضرورة تحرّراً كاملاً من القيود، فقد تتغيّر بعض السلوكيات دون أن تتبدّل الذهنية التي تقف خلفها.
يتّضح ذلك في ما يتعلّق بالنساء، إذ إنّ اعتماد أسلوب مختلف في اللباس لا يدلّ تلقائياً على تجاوز الضوابط المفروضة وقد يقود إلى مواجهة جديدة مع نظرة الناس إليهنَّ.
ترى مارون أنّ تحوّل الأعراف يحتاج إلى وقت، إذ تبدأ الخطوات من العادات وأنماط التفكير قبل أن تنعكس على الحياة العامة، لكن ما يبدو غريباً اليوم قد يُصبح مقبولاً لاحقاً.
هكذا لا يبقى التأثير خارجياً، بل تتغلغل القواعد والصور السائدة في وعي المرء، فيبدأ بتفقّد خياراته حتى بغياب الجميع، ما يُؤثّر في نظرته إلى شخصه.

الصورة في مرآة الذات
يوضح الأستاذ الجامعي والمعالج النفسي البروفيسور طوني جريج أنّ الصورة التي يتشبّث بها الفرد في طفولته قد تُرافقه لسنوات، حتى بعد تغيّر شخصيته وقدراته، لأنّ فهمه لذاته وتقييمه لها لا يكونان قد اكتَملا بعد.
فما يسمعه الطفل عن نفسه، خصوصاً عندما يتكرّر، يتحوّل إلى انطباع ذهني يتعامل معه تدريجاً على أنّه حقيقة.
مع تكرار هذه التجارب والرسائل، يتشكّل ما يُعرف في العلاج المعرفي السلوكي بالمعتقدات الأساسية، أي الأفكار العميقة التي يحملها عن نفسه، الآخرين والعالم.
فالمقارنة المستمرّة تدفعه إلى اعتبار التفوّق معياراً لقيمته، فيما يرتبط الخوف من السخرية بصعوبة التعبير عن المشاعر خشية أن يبدو ضعيفاً.
لا يبقى أثر التجربة في ما حدث فقط، بل بالمعنى الذي كوّنه عنها ورافقه بعدها.
تنعكس هذه المعتقدات أيضاً في طريقة حديثه عن نفسه، فهناك فرق بين “أنا فاشل” و”فشلت في هذا الأمر”. في الأولى تتحوّل تجربة محدّدة إلى هويّة، بينما تبقى الثانية حدثاً عابراً قابلاً للتعديل.
فالإنسان لا تختصره سِمة واحدة وما يظنّ أنّه عاجز عنه يكون مرتبطاً بظروف معيّنة، لا بصفة ملازمة له. يظهر اجتماعياً مع أشخاص ومتوتّراً مع غيرهم، قويّاً في موقف وأضعف في آخر، لذلك من المفيد أن يسأل: “هل أنا لا أستطيع فعلاً أم فقط أثناء ظروف معيّنة؟”

يتحوّل هذا التصوّر إلى اغتراب عن الذات، تبدو الحياة مناسبة من الخارج، بينما يعي أنّه يُؤدّي دوراً لا يُشبهه ويظلّ عالقاً في المخاوف، الانسحاب والقرارات المعتادة. حتى مع تغيّر الأشخاص والظروف من حوله، تستمر القصة التي يحتويها بتوجيه سلوكه، فتعود الأنماط المألوفة إلى الواجهة.
يبرز سؤال أعمق: “هل أعيش وفق ما أريده فعلاً أم ما تعلّمت أن أفرضه عَلَيّ؟”. منه تبدأ خطوة أساسية لفهم الذات: ليس فقط “من أنا”، بل “من أين جاءت الصورة التي أحملها؟”.
يشرح جريج أنّ تغيّر الفرد لا يُبدّل استجاباته الانفعالية بالضرورة، يُصبح أكثر خبرة وكفاءة، ثمّ يُواجه في موقف معيّن مشاعر قديمة كالخوف، الخجل أو العجز وكأنّه عاد إلى مرحلة سابقة من حياته. يحتاج الأمر إلى خبرات جديدة تُساعده على بناء استجابات أكثر انسجاماً مع حاضره.
يرتبط هذا الإدراك أحياناً بقواعد اكتسبها منذ طفولته: من اعتاد الصمت لحماية نفسه قد يكبر عاجزاً عن التعبير عن احتياجاته، ومن ربط الخطأ بالانتقاد يخشى التجربة والمجازفة، بينما من جعل تقديره قائماً على النجاح يبقى غير قادر على الإحساس بالكفاية مهما حقّق.
في العلاج المعرفي السلوكي، يبدأ العمل بفحص الأفكار التي يحوزها: “ما الذي يدعمها ويُناقضها؟ فإذا قال: “أنا لا أنجح”، لا يكون الهدف إقناعه بعكس ذلك، بل فهم مصدر هذه الفكرة ومراجعة الأدلة التي يستند إليها.
ثمّ تُختبر هذه القناعات عملياً من خلال خبرات حديثة تُساعده على بناء نظرة أكثر توازناً.
مع العودة إلى جذور هذه الأفكار، يلتقي البعد النفسي بالاجتماعي، إذ تتطوّر القناعات عبر سنوات من الرسائل، الانطباعات والأحداث التي تراكمت منذ الطفولة.
مع فهم هذه الجذور، قد يبدأ بالنظر إلى الطفل الذي كان عليه بتفهّم ورحمة أكبر وإلى حياته الحالية بوعي أعمق.
لا يهدف العلاج إلى صناعة آفة مثالية عنه، بل لمساعدته على رؤية ذاته بموضوعية ومرونة، فيتعامل مع الفشل كتجربة، الضعف كشعور والرفض كحدث لا كحكم نهائي.
تبدأ استعادة العلاقة مع الذات حين يُدرك المرء أنّه أكبر من الحدود التي رسمها له ماضيه وأنّ حياته لا تُختصر في حكاية قديمة لم تعد تُعبّر عنه. ربّما يكون أهم ما يكتشفه في هذه الرحلة: “أنا أكبر من القصة التي اعتدت أن أرويها عنّي”.
تزداد أهمية هذه المسألة في ضوء تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسيف التي تُفيد بأنّ نحو مراهق واحد من كلّ سبعة، بين ١٠ و١٩ عاماً، يُعاني اضطراباً نفسياً.
لا يُفسَّر هذا الرقم بسبب واحد، لكنّه يُذكِّر بأنّ سنوات الطفولة والمراهقة تترك أثراً عميقاً في طريقة فهم الفرد لذاته وعلاقته بالعالم من حوله.
فما يبدو اغتراباً عن الذات قد يكون في أحيان كثيرة نتيجة سنوات قضاها بمحاولة التكيّف مع النظرة التي رسمها البعض، حتى أصبحت جزءاً من قصته الشخصية.
