بسبب ضائقة السيولة.. هل يتبع العراق خُطى فنزويلا ويلجأ لطبع العملة رغم مخاطرها؟
لم يعد صرف رواتب الموظفين العراقيين مرتبطاً بموعد ثابت، بل أصبح مرهوناً بتوافر السيولة النقدية التي تراجعت بشكل حاد نتيجة تراجع الموارد واضطراب صادرات النفط، وهي سابقة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة للبلاد.
ومع غياب الحلول المتاحة، ظهرت دعوات تطالب بطباعة العملة لتأمين رواتب الموظفين أو تمويل العجز المالي، وهي خطوة أكد خبراء افتقارها إلى الأسس القانونية والاقتصادية، وقد تقود إلى تداعيات خطيرة على الاستقرار النقدي والاقتصاد العراقي.
اظهار أخبار متعلقة
والاثنين الماضي، اقترحت اللجنة المالية النيابية العراقية اللجوء إلى طباعة العملة للتعامل مع أزمة السيولة الخانقة وضمان تأمين رواتب الموظفين، تفادياً لخطر ما وصفته بـ”انتفاضة البطون الجائعة”، مؤكدة أن خيارات توفير الأموال لتسديد الرواتب لثلاثة أشهر على الأقل ستكون محدودة للغاية.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، أن المقترح المطروح لطباعة العملة يمثل “الخيار الآمن المتبقي” لتجنب تلكؤ صرف الرواتب، على الرغم من المخاطر الاقتصادية المترتبة عليه.
وأشار كوجر إلى وجود ما وصفها بـ”المعضلة الزمنية” المرتبطة بالإيرادات النفطية، موضحاً أن مستحقات مبيعات النفط تُسلَّم بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من عملية البيع، ما يعني استمرار الأزمة الخانقة مدة لا تقل عن شهرين.
بيع عقارات الدولة لتسديد الديون
كما كشف عن صعوبة اللجوء إلى حلول بديلة لتأمين السيولة، قائلاً إن خيار إلقاء القبض على ما بين 100 و200 فاسد، على غرار عدنان الجميلي، واسترداد الأموال منهم بدأ يتراجع وأصبح صعباً جداً، فضلاً عن أن تعظيم الموارد يحتاج إلى وقت طويل.
وأضاف أن محاولات إحياء خطوط تصدير النفط القديمة، مثل خطي بانياس والعقبة، تواجه عرقلة أمنية وصلت إلى “تحميل شاحنات التانكرات بالسلاح”، وأوضح كوجر أن رفع الضرائب يعني ممارسة ضغط مباشر على المواطنين، بينما تتجه وزارة المالية إلى بيع عقارات الدولة لتسديد ديون المصارف.
وأكد أن قانون الإقراض الجديد لن يسعف النفقات التشغيلية، ومنها الرواتب، وذلك نظراً لكون قروض صندوق النقد الدولي تذهب حصراً إلى المشاريع الاستثمارية، في حين لا تزال الصناديق الاستثمارية القطرية والإماراتية “مجرد حبر على ورق”، بسبب ما وصفه بـ”العقلية الميليشياوية” التي تطرد الاستثمار.
وقال عضو اللجنة المالية إن توقف التصدير عبر مضيق هرمز وميناء أم قصر جعل العراق غير قادر على بيع أكثر من مليون برميل يومياً، وهو ما ولّد عجزاً كبيراً مقارنة بالمستوى الطبيعي المقدّر بثلاثة ملايين و250 ألف برميل، مضيفاً أن التصدير اليوم هو 850 ألف برميل، بإنتاج متذبذب.
وخلص كوجر إلى أن استمرار الأزمة الخانقة لمدة شهرين على الأقل، حتى في حال بيع النفط الآن، وذلك لأن الإيرادات تُستلم بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر، معتبراً أن الخيار الأكثر أماناً حالياً هو طباعة العملة، رغم مخاطرها، لتجنب تلكؤ صرف الرواتب.
محاذير طباعة العملة
ورغم تصريحات اللجان الحكومية بشأن الاضطرار لاعتماد خيار طباعة العملة، إلا أن مختصين حذروا من المساس بالاستقرار النقدي، مؤكدين أن طباعة 10 تريليونات دينار مثلاً، من دون زيادة في الإنتاج الحقيقي، ستؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وخلق تضخم وصفوه بالـ”وحشي” وارتفاع في الأسعار.
ونقلت صحيفة الـ”مدى” عن المتخصص في الشأن الاقتصادي جليل اللامي، قوله إن الاقتصادات الريعية كما هو في العراق، تُعد أكثر تأثراً بتداعيات طباعة النقود من الاقتصادات الصناعية، مستذكراً السيناريوهات الكارثية التي شهدتها زيمبابوي وفنزويلا، حين انهارت عملتاهما الوطنيتان نتيجة هذا الإجراء.
وتابع اللامي، أن زيادة الكتلة النقدية سترفع الطلب على الدولار لتغطية استيرادات الغذاء والصناعة، ما يؤدي إلى خفض قيمة الدينار في السوق الموازية، ورفع أسعار السلع، وتقويض القوة الشرائية.
وعام 2016، أرهقت الأزمة الاقتصادية الفنزويليين، بعدما انخفضت قيمة العملة المحلية “البوليفار” بشكل غير مسبوق، حتى بدأ التعامل معها يجري عبر “الميزان” لحساب المبالغ النقدية بدل عملية العد التي أصبحت مهمة شاقة، نظراً لضخامة كمية نقد فقد قيمته الشرائية.
فجوة زمنية بين الإيرادات والالتزامات الشهرية
وفي إقرار حكومي جديد، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن العراق يمر بأزمة سيولة نقدية مؤقتة وليست أزمة ملاءة مالية، مشيراً إلى أن الحكومة تمكنت من تأمين رواتب شهر آب عبر حزمة من الأدوات المالية.
وفي حديث خاص لصحيفة “المدى”، قال صالح إن انخفاض الإيرادات النفطية بسبب تراجع الصادرات أوجد فجوة زمنية بين الإيرادات والالتزامات الشهرية، وفي مقدمتها الرواتب والنفقات الأساسية.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن في عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وإنما في توقيت توافر السيولة اللازمة للإنفاق، مبيناً أن تأمين الرواتب لا يعني تحسن الإيرادات، وإنما يعكس قدرة وزارة المالية على إدارة السيولة وتعبئة الموارد لتغطية الالتزامات الشهرية.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن الحكومة اعتمدت في توفير الأموال على مزيج من الإيرادات النفطية المتحققة والإيرادات غير النفطية، إلى جانب إدارة الرصيد النقدي المتاح في الخزينة، والتوسع في الاقتراض الداخلي عبر إصدار حوالات خزينة اكتتبت بها المصارف الحكومية، قبل إعادة خصمها لدى البنك المركزي لتوفير السيولة.
بوادر غضب الشارع
ومع تأخر صرف المستحقات، انطلقت الأربعاء موجة احتجاجات واسعة في 6 محافظات، شملت جامعات التقنية الشمالية في كركوك، والبصرة، وبابل، وتكريت، وذي قار، وواسط، تنديداً بتأخر صرف رواتب منتسبي وتدريسيي وزارة التعليم العالي.
وأظهرت لقطات متداولة خروج تظاهرات غاضبة لموظفي نقل الطاقة للمنطقة الوسطى في بغداد احتجاجاً على تأخر الرواتب وتغيير نظام العمل، وعبّر المحتجون عن استيائهم الشديد من سياسة “التسويف والمماطلة” والوعود المتكررة التي تطلقها الجهات المعنية.
