بين ثقة البنك الدولي وشبح المحاصصة… لبنان يدخل سباق الرقمنة بـ150 مليون دولار
150 مليون دولار أميركي من البنك الدولي للبنان، لدعم التحوّل الرقمي في القطاع العام. هكذا أعلنت وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية عن التمويل الجديد ضمن مشروع تسريع التحوّل الرقمي في لبنان (Lebanon Digital Acceleration Project – LDAP)، معتبرةً أن الخطوة ستشكّل محطة مفصلية في مسار تحديث الإدارة العامة.
لكن في بلد اعتاد منذ أكثر من ربع قرن على سماع وعود الإصلاح، لا يكفي إعلان هذا التمويل الكبير لفتح صفحة جديدة. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية وبدء مرحلة إعادة بناء الدولة في تسعينيات القرن الماضي، يتكرر الحديث عن إصلاح الإدارة العامة ووضع لبنان على السكة الرقمية، إذ شهدنا استراتيجيات “رايحة وجاية”، لجان تتشكل، خطط تُعلن، ووعود تُقطع، فيما بقيت الفجوة بين ما يُكتب على الورق وما يُنفذ على الأرض.
وقد بدأت أولى المحاولات الجدّية مع تأسيس مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية عام 1994، ثم إطلاق مسار الحكومة الإلكترونية في مطلع الألفية، وصولاً إلى استراتيجية التحول الرقمي التي أُعدت عام 2018 وطُورت عام 2019، قبل أن يوافق مجلس الوزراء عام 2022 على استراتيجية التحول الرقمي للحكومة 2020-2030.
إلا أن المشكلة بقيت نفسها: اصطدام الإصلاحات بالانقسامات السياسية، والخلافات على الصلاحيات، وهيمنة منطق المحاصصة الذي جعل العديد من المشاريع رهينة التوازنات السياسية، بدلاً من أن تكون جزءاً من رؤية وطنية ثابتة.
لذلك، لا يتعلق السؤال اليوم بحجم التمويل فحسب، بل بقدرة لبنان على تحويل هذا القرض إلى إصلاح فعلي، لا إلى مشروع جديد ينضم إلى لائحة طويلة من الخطط المؤجلة. فهل نحن أمام بداية فعلية للتحول الرقمي، أم أمام نسخة جديدة من الوعود السابقة؟

ماذا سيموّل القرض؟
يشير وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، في حديث لـ”النهار”، إلى أن “هذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها لبنان على تمويل بهذا الحجم مخصّص للتحوّل الرقمي”، لافتاً إلى أن الخطط السابقة كانت تصطدم بغياب التمويل اللازم للانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
ويؤكد أن المشروع سيركز على بناء الركائز الأساسية لأيّ تحوّل رقمي، وفي مقدمها استضافة البيانات، والأمن السيبراني، والأطر القانونية والتنظيمية، والهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، وربط الإدارات بعضها ببعض.
وبحسب التوزيع الأولي للتمويل، يكشف مكي أنه سيخصّص نحو:
– 70 مليون للبنية التحتية الرقمية العامة، التوقيع الرقمي، والهويّة الرقمية.
– 35 مليون دولار لاستضافة البيانات والحوسبة السحابية
– 17 مليون دولار للأمن السيبراني
– 12 مليون دولار للأطر القانونية والتنظيمية
– 10 ملايين دولار للخدمات الإلكترونية
– 7 ملايين دولار لبناء القدرات، التدريب، وإدارة المشروع
ويشير مكي إلى أن هذا التوزيع قابل للتعديل، موضحاً أن التحول الرقمي يحتاج إلى استثمارات تتجاوز 150 مليون دولار، ما يفتح المجال أمام شراكات مع القطاع الخاص، ولا سيما في مجالات مراكز البيانات والخدمات الرقمية.
من سيراقب التنفيذ؟
يبقى السؤال الأهم: من سيضمن ألا تتحول الأموال إلى مشاريع غير منتجة؟
بحسب مكي، تتوزع مسؤولية متابعة المشروع ضمن إطار حوكمة متكامل، تتولى فيه وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية دور الجهة المنسّقة، فيما يعمل المشروع تحت مظلة اللجنة الوزارية للتحوّل الرقمي برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، على أن تخضع القرارات الأساسية لرقابة اللجنة وإشرافها.
ويؤكد أن المشروع لا يقوم على تلزيمات مباشرة للشركات، بل يخضع لقواعد البنك الدولي المتعلقة بالشفافية، والمشتريات، والنزاهة، والشراء العام، وهي إجراءات صارمة قد تؤدي أحياناً إلى إبطاء التنفيذ لضمان الالتزام الكامل بالمعايير المعتمدة.
ويضيف أن العمل جارٍ بالتوازي على إعداد ملفات الشراء وفق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، لتكون جاهزة فور إقرار المشروع في مجلس النواب والانطلاق في التنفيذ.

هل عادت الثقة بلبنان؟
لطالما ارتبطت برامج البنك الدولي الخاصة بالتحول الرقمي بمطلب أساسي هو تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، علماً بأن لبنان انضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) عام 2009. فهل يعكس هذا التمويل عودة ثقة الجهات المانحة بالدولة اللبنانية؟
يرى مكي أن موافقة البنك الدولي لا تعني فقط توفير التمويل، بل تعكس أيضاً ثقة بالمسار الجديد والفريق الذي يعمل على المشروع. ويشير إلى أن المفاوضات مع البنك استمرت نحو سنة ونصف السنة، وشهدت نقاشات تفصيلية قبل موافقة مجلس إدارته.
ويضيف أن المشروع كان مطروحاً في البداية بقيمة 250 مليون دولار، قبل أن يُخفض إلى 150 مليوناً مراعاةً للوضع المالي للدولة وقدرتها على الاستدانة، بالتنسيق مع وزارة المالية.
ويكشف أن المشروع حصل أخيراً على هبة تحضيرية (Preparatory Grant) تجاوزت قيمتها مليون دولار، جرى تنفيذها بالكامل وفق آليات البنك الدولي، معتبراً أن ذلك شكّل خطوة أساسية لبناء الثقة قبل الانتقال إلى التمويل الأكبر.
ويصف مكي المشروع، الممتد على خمس سنوات، بأنه “محطة فخر واعتزاز بعد جهود مضنية استغرقت وقتاً طويلاً”، مضيفاً: “بعد كل الخطط، حان الوقت لنبدأ التنفيذ”.
“كارثة الكوارث”… ومحاصصات حزبية
إلا أن هذه النظرة الإيجابية لا يشاركها الجميع، إذ يتخذ الخبير في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم موقفاً شديد الحذر، معتبراً أن التجارب السابقة لا تسمح بالتفاؤل بسهولة. ويقول لـ”النهار”: “أي شيء له علاقة بالتحول الرقمي، ما دمنا في سلطة فساد ومحاصصة، لا قيمة له.”
ويضيف: “الدليل على ذلك أنه منذ وضع استراتيجية التحوّل الرقمي في لبنان، وإقامة احتفال في مجلس الوزراء، لم يُطبق منها شيء”، مشدداً على أن تشكيل لجنة الحوكمة نفسها خضع لمنطق المحاصصة.
إلى ذلك، يشرح أن “أي استراتيجية رقمية في العالم تحتاج إلى جهة حوكمة واضحة تتولى تطبيق القوانين، وتنظيم العمل، ومتابعة تنفيذ المشاريع، وغالباً ما تكون هذه الجهة مرتبطة برئاسة مجلس الوزراء لضمان امتلاكها الصلاحيات اللازمة. أما في لبنان، فدخل الملف في صراعات سياسية مرتبطة بالصلاحيات، إذ يلفت أبي نجم إلى أن شد الحبال انطلق داخل مجلس الوزراء، حين اعترض فريق “حزب الله” على أن تكون كافة صلاحيات التحوّل الرقمي بيد رئيس الحكومة “السنّي”.
ويتابع أبني نجم: “حين طُرحت وزارة التنمية الإدارية كجهة مسؤولة، برزت مجدداً الخلافات حول اسم الوزير، وهل سيتمتع بصلاحيات واسعة وقوية تمكنه من التحكم بباقي الوزارات. وكالعادة، اختلف الجميع في ما بينهم، وانتهى الأمر بتشكيل لجنة على أساس “ستة وستة مكرر”، مؤلفة من ستة أعضاء، ثلاثة من المسيحيين وثلاثة من المسلمين، جرى تعيينهم جميعاً على أساس المحسوبيات والمحاصصة بين الأحزاب، وهذه كارثة الكوارث”.
هذا المنطق تكرر أيضاً حين جرى الحديث عن إنشاء مركز وطني للبيانات في لبنان، بحيث “أراد حزب الله إقامته في الجامعة اللبنانية في الحدت نظراً إلى سيطرته هناك، فيما سعت جهات أخرى لوضعه في أماكن أخرى”.
وفيما يدخل التحوّل الرقمي منطق السياسة والمحاصصة، يشدّد أبي نجم على أن “الرقمنة ليست فقط شراء أنظمة ومعدات بل تحتاج إلى بيئة إدارية وتقنية قادرة على تشغيلها”، متسائلاً “هل موظفو الدولة مهيّؤون لإدارة التحوّل الرقمي؟ وهل البنى التحتية الرقمية، من كهرباء وإنترنت، متوفرة قبل الحديث عن التحوّل الرقمي؟”.
العبرة تبقى في التنفيذ
لا شك في أن الادارات اللبنانية تحتاج إلى تحديث أكثر من أيّ وقت مضى، والحصول على تمويل دولي بهذا الحجم يشكل فرصة لا يمكن تجاهلها.
ولا يمكن بعد أكثر من 25 عاماً من الخطط والاستراتيجيات، تجاهل هذه الأسئلة الجوهرية: كيف سيعالج هذا المشروع تحديات المحسوبيات، والتوظيف العشوائي، والمناقصات، وضمان أن تتحوّل الأموال إلى بنية رقمية مستدامة لا إلى مشروع جديد مؤجل؟ وهل وافق البنك الدولي هذه المرة لأنه لمس تغييراً حقيقياً في إدارة الدولة اللبنانية؟ أم أن التمويل يمثّل فرصة جديدة يجب اختبارها؟ في كل الأحوال، “العبرة تبقبى في التنفيذ”.
